مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 | القطاع العام العربي في ميزان الشفافية العالمية 

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  مفهوم الفساد

شكل الفساد ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية تقوض الثقة بالمؤسسات العامة والمنظمات الديمقراطية، من خلال إضعاف سيادة القانون، وغياب المساواة المجتمعية وعدم الاستقرار السياسي  وخلق بيئة بيروقراطية سلبية تدفع طالبي الخدمة لتقديم الرشاوى للحصول على الخدمات.

 ويبطئ الفساد التنمية الاقتصادية، من خلال خلق بيئة طاردة للاستثمار المحلي والاجنبي، على نحو يجعل الشركات الصغيرة غير قادرة على تحمل تكاليف الشروع أو الاستمرار في اعمالها، الأمر الذي يؤدي الى تفاقم الفقر .

 وتعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد بانه إساءة استخدام السلطة الموكولة للعاملين في القطاع العام لتحقيق مكاسب خاصة.

ويستدعي كشف الفساد ومكافحته التعرف على آليات عمله، والبيئة التنظيمية التي تسمح بوجوده، وتبنى الشفافية لمعرفة تعليمات وإجراءات العمل الرسمية وفي القطاع الخاص، وإتاحة المعلومات وتوفر اليات فعالة لمحاسبة الفاسدين لتحقيق الصالح العام.

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  مسببات وأشكال ومستويات الفساد

يعود السلوك الفاسد إلى غياب بيئة من النزاهة الفعالة  ومن معايير الجدارة في التعيينات في الخدمة المدنية،  وضعف القوانين الملزمة للإفصاح المالي، والإفراط في الاجراءات البيروقراطية، و غياب الشفافية والقدرة للوصول إلى المعلومات و وغياب التشريعات الناظمة لاعمال السلطات التنفيذية وآليات المحاسبة  لردع الممارسات غير المشروعة.  

وهذا من شأنه أن يخلق بيئة مواتية للفساد، حيث يتجذر الفساد في الثقافة السياسية وبيئة الأعمال، ويمر السلوك غير الأخلاقي دون عقاب، لغياب أو عدم إنفاذ القوانين، وعدم استقلالية القضاء والتشريع.

ويقع الفساد من سياسيين أو قيادات مؤسسات عامة أو موظفين عامين أو رجال أعمال أو أفراد من الجمهور.  ويجري في الأعمال التجارية ، ومراكز المؤسسات الحكومية ، والمحاكم ، ووسائل الإعلام ، والمجتمع المدني، وفي قطاعات الصحة والتعليم العامة والخاصة والمؤسسات الرياضية.

ويجري تسهيل وقوع الفساد قي الخفاء من خلال مؤسسات مهنية لمصرفيين  أو محامين ومحاسبين ووكلاء العقارات، باستغلال  أنظمة مالية ضعيفة غير شفافة، وشركات وهمية مجهولة توفر بيئة خصبة لازدهار الفساد وغسل وإخفاء الثروات غير المشروعة.

وتتعدد أشكال الفساد، وتشمل الرشوة وتحويل  وغسل الأموال، واستخدام الوظائف العامة لتحقيق مكاسب خاصة.

وتتضمن مستويات الفساد، الفساد الصغير والكبير، والتي قد تقع في القطاع العام أو الخاص.

الفساد البسيط أو الصغير Small (petty) Corruption، وهو أدنى درجات الفساد ، ويقع من صغار الموظفين والمدراء العامين الذين يسيئون استخدام السلطة المحدودة لمناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية.  ويتضمن الفساد  الصغير الإساءة اليومية للسلطة العامة للدولة عند تفاعل مستويات الإدارة المتوسطة والدنيا ​​مع المواطنين خلال سعيهم للحصول على الخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس والمؤسسات والهيئات العامة.  وهذا يتضمن الروتين والممارسات البيروقراطية المفرطة التي من شانها زيادة فرص الفساد، لخلق بيئة دافعة لطالبي الخدمات لتقديم الرشاوي.

ويقع الفساد الكبير  Large (grand) Corruptionمن الجهات السياسية أو التنفيذية الرئيسية الفاعلة التي تمارس نشاطات غير مشروعة، والتي من من شانها أن تؤدي إلى إضعاف البيئة القانونية والسياسية والاقتصادية لدول أو شركات بأكملها.  وهذا يسمح  بعقد صفقات سرية غير قانونية بين السياسيين من كبار أصحاب القرار الذين يديرون موارد واسعة النطاق، ومسؤولي الشركات مقابل مصالح خاصة، و إساءة استخدام المال العام بمنح عقود لأصدقائهم وعائلاتهم أو شركات يشاركون في مجالس  إدارتها.

ويتضمن الفساد الكبير مجالات الفساد السياسي التي تتصل بسيطرة أصحاب المصالح الخاصة على السلطة، وتلاعب أصحاب القرار في السياسات العليا وأعمال المؤسسات والقواعد الإجرائية في تخصيص الموارد وأعمال التمويل، لأغراض الإثراء وتحقيق مصالح خاصة على حساب الصالح العام دون مواجهة أية عواقب. 

و يتضمن الفساد الكبير،  تبني سياسات تمييزية ، تؤدي لغياب النزاهة في التوظيف في الخدمة العامة، بحيث تجري على أساس المحسوبية، عِوضا عن اعتبارات الأهلية والجدارة والمنافسة المتساوية بشفافية لجميع مواطني الدولة. وتؤدي هذه الممارسات إلى تشويه السياسات العامة والأداء العام للدولة.

وتتضمن أشكال الفساد السياسي المحسوبية السياسية والرشاوى المالية والجنسية والإحتيال والواسطة والتزوير الانتخابي والمتاجرة بالأديان وتوظيفها لأغراض سياسية.

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  آليات مكافحة الفساد

يؤدي انتشار الفساد في أجهزة الدولة العامة والخاصة، إلى تكاليف سياسية تشمل عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين افراد المجتمع وغياب التعددية وضعف سيادة القانون وهيبة الدولة ومنظمات المجتمع المدني وانتشار الشعبوية وانخفاض الثقة وتآكل المؤسسات التي تهدف إلى حماية المواطنين.

كما يترتب على الفساد، تكاليف اقتصادية وبيئية، إذ يفقد المجتمع فرصته في بناء وتنمية الثروة الوطنية وفي توفير بيئة صحية ومستقبل مستدام.

وتستدعي مكافحة الفساد التوعية بآثاره الواسعة، وتعزيز الخطاب العام لتوفير فهم أعمق وقبول أكبر لقيم المساءلة والمحاسبة وتشريع قوانين وانظمة توفر ضوابط فعالة لمكافحة الفساد وتحقق الشفافية، وتمنع تركيز السلطة وزيادة المشاركة السياسية وبناء قيادة عامة ومدنية ومن رجال الأعمال أكثر استعدادًا لمحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية لمنع القرارات في  قطاعي الحكومة و الأعمال التجارية التي تحرم المواطنين من الحقوق والفرص المستحقة.

ويتطلب كشف الفساد ومكافحته التعرف على البيئة التنظيمية التي توفر بيئة مواتية لوقوعه،  وتبنى أعلى درجات الشفافية للتعرف  على إجراءات العمل في القطاعين العام والخاص،  وخاصة في التعاقدات العامة وإتاحة المعلومات، وتوفر بيئة تشريعية لتحقيق النزاهة بين قيادات منظمات الاعمال ، والكشف عن النشاطات الفاسدة (الرشوة، السرقة، إساءة استخدام السلطة…) التي تتطور باستمرار، وتسمح بمساءلة ومحاسبة المتورطين فيها،  وإنفاذ سلطة القانون بدون تأخير لتحقيق المصلحة العام على جميع المخالفين، من خلال هيئات قضائية نزيهة مستقلة قادرة على معاقبة المتورطين في الفساد بعدالة وانصاف وبشكل شفاف ومُعلن.

ولا يكفي تحقيق الشفافية لمكافحة الفساد، وإنما يتعين تضافر جهود المؤسسات العامة، ومنظمات قطاع الأعمال والمجتمع المدني لتوفير الرقابة الاجتماعية والمشاركة في صنع القرارات لحماية الصالح العام من خلال تعزيز الحرية والأمن للناشطين والمبلغين والصحفيين لمواجهة إساءة استخدام السلطة، وتأمين النزاهة السياسية ومنع التدخل في الانتخابات والتعيينات السياسية.

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  تقارير دولية حول الشفافية العالمية

 تُصدر عدة جهات دولية تقارير دورية تتصل بمؤشرات الحوكمة لمكافحة الفساد وتشمل:

–  مؤشرات الحوكمة العالميةThe Worldwide Governance Indicators (WGI) التي بدأ البنك الدولي في اصدارها منذ عام 1996، وتقيس الفساد في القطاعين العام والخاص. وتعكس هذه المؤشرات التقاليد الراسخة لمبادىء الحوكمة للدولة العميقة، وعملية اختيار الحكومات ومراقبتها، وفعاليتها، وقوة المؤسسات التي تمارس بها السلطة، وقدرتها على صياغة وتنفيذ سياسات سليمة، واحترام المواطنين وأجهزة الدولة للمؤسسات التي تحكم تداول السلطة، والتعاملات الاقتصادية والاجتماعية بينهم.

وتقوم مؤشرات الحوكمة العالمية على ستة محاور تشمل جودة الإطار التنظيمي، وتطبيق سلطة القانون، وفعالية الحكومة، والمساءلة وحرية الرأي والإعلام، والاستقرار السياسي وغياب العنف، ومكافحة الفساد من خلال تطبيق مبادىء الحوكمة.

وتجمع هذه المؤشرات الإجمالية آراء عدد كبير من المشاركين في الدراسة الاستقصاءية من منظمات الأعمال والمواطنين والخبراء في البلدان الصناعية والنامية. وهي تستند إلى أكثر من 30 مصدراً للبيانات من مجموعة متنوعة من مؤسسات المسوح ومراكز الفكر والمنظمات غير الحكومية والدولية ومنظمات الأعمال. وتصدر هذه المؤشرات في نهاية سبتمبر أيلول من كل عام وتغطي العام السابق له، وتتوفر هذه المعلومات على شبكة المعلومات.  

 – تقرير النزاهة العالمي Global Integrity Report   الذي بدأ في الصدور في عام 2001  عن مركز النزاهة العالمي وهي منظمة مستقلة غير ربحية، وصدر آخر تقرير لعام  2020  في آذار 2021.  

ويقوم تقريرالنزاهة العالمية  على متابعات لاتجاهات الحوكمة والمساءلة والانفتاح والفساد في جميع أنحاء العالم باستخدام مجموعات محلية من الباحثين والصحفيين في القطاعين العام والخاص، خلافاً لمؤشر مدركات الفساد الذي يقتصر على فساد القطاع العام  استناداً إلى استطلاعات للرأي  لقادة تنفيذين في قطاع الأعمال المحلي، وتقارير خبراء دوليين من هيئات دولية متخصصة.

وتتناول عشرات الصحف العالمية هذه التقارير في جميع أنحاء العالم، ويستخدمها البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والوكالات المانحة الأخرى لتقييم أولويات المساعدات.

–   مؤشر إبراهيم للحوكمة  الذي طورته مؤسسة محمد إبراهيم، من السودان،  والذي يغطي 54 دولة في إفريقيا، وبدأ في الصدور في عام 2007.  ويقوم مؤشر إبراهيم للحوكمة في إفريقيا على موشرات الأمن وسيادة القانون  والمشاركة والحقوق والشمول وأسس الفرص الاقتصادية والتنمية البشرية.  وقد صدر آخر تقرير في عام  2022، وأظهر انخفاضًا في التقدم العام في مؤشرات الحوكمة في أفريقيا لأول مرة منذ عقد، نظراً لتدهور الأمن وسيادة القانون في بعض البلدان.

وكان متوسط مؤشر إبراهيم للحوكمة في إفريقيا  48.9 لعام 2021 وفق تقرير عام 2022.  وجاءت درجات الدول العربية تونس والمغرب والجزائر  أعلى من المتوسط،  وقاربت مصر قيمة المتوسط، وجاءت بقية الدول العربية أدنى من المتوسط.  ومن بين 54 دولة، حققت الدولة العربية العلامات (بين قوسين، \ 100)  والمراكز التالية وبالترتيب؛  تونس (70.9) والمغرب (61.5) والجزائر  (55.6) المراكز  3 و 10 و 15 ، وجاءت مصر (48.4) وجزر القُمر (42.5) وجيبوتي (42.5) في المراكز 27 و 38 و 39، وموريتانيا (41.3) وليبيا (35.7) والسودان (34.5) في المراكز 41  و45 و 47،  وجاءت الصومال في المركز 53 وعلامة 23.2.

– التقرير السنوي لمؤشر لمُدْرَكٌات الفساد Corruption Perceptions Index (CPI) في القطاع العام، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية Transparency Internationalمنذ عام 1995.  ويقيس مؤشر مدركات الفساد مستويات الفساد في القطاع العام لمعظم دول العالم، وهو المؤشر العالمي الوحيد الذي يوفر مؤشرات حول جميع الدول العربية، باستثناء دولة فلسطين المحتلة.

 وقد صدر تقرير  مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 عن منظمة الشفافية الدولية في 31 يناير كانون الثاني 2023.

 مقالات ذات صلة

مؤشر مدركات الفساد 2021 | العالم العربي في ميزان الشفافية العالمية

مؤشر مُدرَكات الفساد 2020 | العالم العربي في ميزان الشفافية العالمية في زمن الكورونا

الشفافية العربية |  الدول العربية في ميزان الشفافية العالمية لعام 2019


 مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 : منهجية 2022

صنف مؤشر مدركات الفساد 2022  في القطاع العام  180 دولة وإقليمًا حسب مستويات الفساد.

ويقيس المؤشر  درجة الإعتقاد أو  التصورات  أو مُدرَكات  Perceptions لجوانب  الفساد في القطاع العام في بلد معين.  وهو مؤشر مركب لمزيج من تقارير يقوم بإعدادها خبراء دوليين من هيئات دولية متخصصة واستطلاعات للرأي  لقادة تنفيذين في قطاع الأعمال المحلي حول مستويات ومظاهر الفساد.

وتلجأ منظمة الشفافية لقياس التصورات، لأن أعمال الفساد هي أنشطة خفية غير قانونية ، ولا تظهر إلا من خلال الفضائح أو التحقيقات أو الملاحقات القضائية، والأبحاث وتقارير منظمات المجتمع المدني والسلطات الحكومية المكلفة بتطبيق قواعد النزاهة العامة. ولذلك، لا يمكن ملاحظته عملياً أو بشكل تجريبي، إذ أنه من الصعب قياس ظاهرة لا يمكن ملاحظتها.  

ولذلك، لجأت منظمة الشفافية لاستخدام المؤشرات المركبة للمدركات ، وهي أدوات القياس الأكثر استخدامًا في قياس الإتجاهات في العلوم الإجتماعية، والتي يتطلب استخدامها، العناية في ضبط منهجيتها، وهو أمر عملت منظمة الشفافية العالمية  على تحقيقه من خلال وضع مؤشر يجمع بين العديد من مظاهر الفساد المختلفة في مؤشر واحد يسمح بإجراء مقارنة عالمية. 

غير أنه في ضوء الاختلافات المفاهيمية الواسعة للفساد،  وجوانبه المتعددة والإختلافات الثقافية العميقة بين الدول  في المعايير الأخلاقية لما قد يُعتبر فساداً في ثقافة معينة ، فإن منظمة الشفافية العالمية لا تدعي بأن  أي مؤشر لمدركات الفساد يقيس بالفعل جميع جوانب الفساد الحقيقية. 

ولا تتضمن أوجه الفساد التي يقيسها مؤشر مدركات الفساد بعض اشكال الفساد مثل الإحتيال الضريبي وغسيل الأموال  والرشاوى لجهات خارجية، والتدفقات غير الشرعية للأموال والأموال السرية.   ويركز المؤشر على القطاع العام ويتجاهل السوق السوداء والفساد في الشركات والتهرب من الضرائب في القطاع الخاص.

وتُجمع بيانات تقييمات الفساد المختلفة باستخدام استمارات تتضمن مقاييس من عدة درجات وفقرات تتناول جوانب  الشفافية  والمحاسبة وأشكال الفساد.  ويجرى الاستطلاع  للتصورات الذاتية  حول جوانب الفساد لخبراء مستقلين من 13 مصدراً (من 12 هيئة دولية مستقلة) ومسوحات لآراء رجال الأعمال من الدول المشاركة.

يصنف مؤشر مدركات الفساد الدول على سلسلة متصلة من مستويات الفساد المتصورة على مقياس موحد يتراوح بين 0 و 100 نقطة.  و تمثل درجة الصفر،  أعلى درجات الفساد، وتعادل درجة 100 أعلى مستويات النزاهة. 

ويجري قياس البيانات  التي تأتي من 13 مصدراُ،  باستخدام مقاييس مختلفة .    وقد يكون بعضها من 7 درجات، وبعضها من 100 درجة. ولذلك يجري تحويلها إلى قيم معيارية لتقييم أداء الدول، مقارنة بغيرها من الدول.  ثم تحول هذه القيم المعيارية إلى مقياس من 100 ، ويؤخذ المتوسط لكل دولة ،  إلى جانب مقياس عدم اليقين (فترة ثقة).

وهذا يمثل مؤشر مُدْرَكات الفساد (CPI) لكل دولة. ويمكن أن يقارن المؤشر مع سنوات سابقة حتى عام 2012 ، ولكن، لا يمكن مقارنة المؤشر مع سنوات سابقة لعام 2012.

 وضمت مصادر البيانات هيئات دولية مستقلة ذات حضور دولي في قضايا الفساد، والتي تعمل على تحليل مستويات تطبيق قواعد الحوكمة في البيئة المؤسسية وبيئة الأعمال خلال العامين الماضيين، وتشمل ؛ البنك الدولي، ومشروع العدالة العالمية وبنك التنمية الأفريقي ووحدة البحوث الاقتصادية لمجلة إيكونومست، والمنتدى الاقتصادي العالمي ، واستطلاع آراء التنفيذيين للكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2022 ، ومؤسسة فريدوم هاوس، وهيئات خاصة استشارية ووحدة تقييم المخاطر العالمية ومراكز بحثية. 

تتطلب المنهجية المتبعة توفر بيانات تقييمية حول مستويات الفساد من ثلاثة مصادر على الأقلTriangulation من بين المصادر الثلاثة عشرة التي استخدمتها الدراسة، حتى يمكن شمول أي دولة في تقارير منظمة الشفافية العالمية . ويهدف تطبيق مبدأ تعددية مصادر المعلومات إلى تعويض أي ضعف في مصادر المعلومات الإجتماعية. 

و تعكس تقارير التقييم لهذه الهيئات المستقلة، تقييم الخبراء والقيادات التنفيذية للممارسات الفاسدة في القطاع العام . وهذا يشمل عدد مرات أعمال الفساد وحجم مكاسبه، ومدى اتساع نطاق الفساد وأهميته وأضراره، والمبالغ التي تُدفع كرشوة، وما إذا كان قد طُلب من المشاركين تقديم رشوة أو قدموا هم أنفسهم رشوة للحصول على خدمات معينة.

وتتضمن  بيانات هذه  التقييمات مدى قدرة الحكومات على احتواء الفساد، ومدى توفر آليات فعالة شفافة لتحقيق النزاهة في القطاع العام، وللملاحقة الجنائية للمسؤولين الفاسدين، وتشريع القوانين الملائمة حول الإجراءات المالية. كما تتضمن آليات للكشف عن المعلومات وحق وصول المجتمع المدني إلى المعلومات المتعلقة بالشؤون العامة، ومنع تضارب المصالح للموظفين العامين والحماية القانونية للمبلغين عن المخالفات وللصحفيين والمحققين عندما يقومون بتحقيقات أو بالتبليغ عن حالات الرشوة والفساد.

 مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  ملامح عامة

بلغ متوسط مؤشر مُدرَكات الفساد 2022  43 درجة، وظل متوسط ​​الدرجة العالمية دون تغيير عند هذه القيمة منذ عام 2012.  وبلغت نسبة الدول التي جاءت درجتها أقل من المتوسط 57% (103 دولة)، ونسبة الدول التي جاءت درجتها أقل من 50 درجة 67%  (121 دولة).

جاءت الدول ذات المؤسسات والديمقراطيات الراسخة، كما سنعرض تالياً،  في مقدمة الدول الأقل فساداً في العالم ، بينما عانت الدول الأكثر فساداً في العالم، والتي تفتقر إلى المؤسسات الراسخة،  وتسودها صراعات مسلحة ، أو يغيب عنها الاستقرار السياسي والحريات الشخصية والسياسية الأساسية. وكانت الدول العشرة الأكثر فساداً، والتي تراوحت درجاتها بين 12 و 17 درجة ،  وبينها 4 دول عربية وهي؛ الصومال(12) وسوريا وجنوب السودان وفنزويلا واليمن وليبيا وكوريا الشمالية وهايتي  وغينيا الاستوائية  وبوروندي (17) .

ويؤدي الفساد  إلى إيقاع الظلم بقطاعات واسعة من المجتمع ، أو يزيد من حدته ، من خلال تقويض مؤسسات الدفاع والأمن والمؤسسات وشرعية الدولة وإضعاف مؤسسات إنفاذ القانون، وإشاعة حالة من عدم الاستقرار ، الأمر الذي جعل من الصعب على بعض الدول تأمين سيطرتها على أراضيها ومنع التهديدات الأمنية العنيفة. ومن شأن ممارسة نافذين في الدول لنفوذ غير شرعي والإقصاء والتمييز الصريح، أن يؤدي إلى استياء شعبي نتيجة توجيه الموارد العامة بعيدًا عن الصالح العام لصالح مجموعات المصالح الخاصة. وواجهت دول  خطر اندلاع أعمال العنف والتي يصعب السيطرة عليها بمجرد اندلاعها كما حدث في افغانستان ومينمار ومالي وإيران .

ويشير مؤشر مدركات الفساد 2022 إلى أن 124 دولة حافظت على درجاتها في مستويات الفساد، وازداد عدد الدول التي تتراجع فيها درجاتها في مستويات الفساد إلى 31 دولة، بينما شهدت 25 دولة تحسناً  في درجاتها.  وهذا ينعكس في ازدياد حدة الصراعات في العالم، وتدهور السلم العالمي. وقد تحسنت درجات ثماني دول فقط بشكل جوهري في السنوات الخمس الماضية وأهمها انغولا والمالديف وفيتنام ومولدافيا وكوريا الجنوبية، بينما تراجعت 10 دول بشكل كبير ، وبعضها دول ذات تصنيف عالي ، وأهمها المملكة المتحدة وكندا وباكستان وماليزيا والنمسا  ولوكسومبرغ.

وكان متوسط ​​الدرجة 66 في غرب أوروبا والإتحاد الأوروبي،  و45 في آسيا  والمحيط الهادئ،(وهي أعلى من المتوسط العام 43)  و 43 في الأمريكيتين و38 في الشرق  الأوسط   و33 بين دول العالم العربي،  و 35 في شرق أوروبا ووسط آسيا و 32 في إفريقيا جنوب الصحراء ، (وهي تساوي أو أدنى من المتوسط العام 43) .  

  مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 : الدول الأكثر شفافية في العالم

يُظهر الجدول 1  مؤشر مدركات الفساد 2022 لأفضل عشرة دول في العالم ، وتطور مكانتها كل 3 سنوات خلال الفترة 2012- 2022،  وهي الفترة التي يُمكن خلالها مقارنة قيم المؤشر من سنة لأخرى عِبر سلسلة زمنية.  

 وحافظت الدول العشرة على مكانتها بين أقل الدول فساداً بالمقارنة مع عام 2021 ، مع تغيرات طفيفة في الدرجة والترتيب، كما يبين جدول 1 ،   بينما انضمت إيرلندا إلى لوكسومبورغ في المركز العاشر ، ليصبح عدد الدول احد عشر.  ومن بين التغيرات الطفيفة تراجع فنلندا ونيوزيلندا درجة واحدة ومركزا واحدا،  وتراجع سنغافورة والسويد درجتين ومركزا واحداً، وتراجع سويسرا  3 درجات و 3 مراكز،  وتراجع ألمانيا درجة واحدة ، بينما تقدمت مركزا واحداً،  وتراجعت لوكسمبورغ 4 درجات و مركزا واحداً .

وجاءت هونغ كونغ في المرتبة 12 (76 درجة)، واستراليا (75 درجة) في المرتبة 13 وكندا واستونيا وايسلندا والاورغواي في المرتبة 14 (74 درجة)، وفرنسا في المرتبة 21 (72 درجة).  وتراجعت المملكة المتحدة  الى المركز 18 من المركز 11   (73 متراجعة 5 درجات في عام 2021) ، بينما تقدمت الولايات المتحدة إلى المركز 24 من المركز 27 (67 متقدمة درجتين) .

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 :  العالم العربي  أمام تحديات الشفافية

يُظهر الجدول  2  مؤشر مدركات الفساد 2022  في العالم العربي إبتداء من عام 2012.  وتضم تقارير منظمة الشفافية العالمية الدول العربية، باستثناء فلسطين، لعدم توفر ثلاثة مصادر مختلفة لتقييم الفساد وفق هذه التقارير.

كان متوسط ​​الدرجات للدول العربية 33 متراجعا درجة عن المتوسط خلال الفترة 2018 – 2021 (تقارير الشفافية 18-2021)، وهو أقل من المتوسط العالمي43  بعشرة درجات.  وتحتل معظم الدول العربية مراكز متاخرة في مقياس الشفافية العالمية. وباستثناء الإمارات وقطر والسعودية ، فقد جاءت درجات بقية الدول العربية أقل من 50 ،  وحصل 71% على درجة أقل من 43 وهو المعدل العالمي، مقابل 67%  و 57% على التوالي في العالم.

وأشار التقرير المتعلق بالعالم العربي  إلى أن حركات الربيع العربي منذعام  2011لم تنجح حتى الآن في التقدم نحو الديمقراطية،  وتحقيق طموحات الشعوب العربية في إقامة أنظمة اكثر نزاهة سياسية وفعالية وعدالة. وقد أدى ذلك إلى صراعات مسلحة  في  الصومال وسوريا واليمن و ليبيا،  التي سجلت أسوء أداء عالميا على مقياس الفساد (12 -17 درجة). وسادت اضطرابات مدنية في دول أخرى مثل السودان والعراق ولبنان وتونس،  حيث يسعى المواطنون من أجل حقوقهم واسماع أصواتهم. وقد أدى عدم الاستقرار وضعف الهياكل المؤسسية، إلى تغذية الفساد السياسي والمالي، وحلقة مفرغة من الاستبداد والصراع والفساد في أنحاء متعددة من العالم العربي.

احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى بين الدول العربية (67 درجة) وتلتها قطر (58) وبفارق جوهري في الترتيب والدرجة على مدى الفترة 2012 – 2022 .   وجاءت السعودية ثالثة (51) والأردن (47) في المركز الرابع، متقدمة عربياً كما كانت على امتداد نفس الفترة، مع منافسة من البحرين والكويت في فترات سابقة.  وقد نالت دول مجلس التعاون 6 مراكز بين أفضل 7 دول عربية.

وكما يبين جدول 2 ، فقد تقدمت موريتانيا والبحرين بشكل جوهري (9-10 مراكز)، وتقدمت لبنان والسودان مركزين، والجزائر  وليبيا مركزا واحداً، ولكن درجات بعضها تحسنت درجتين أو درجة واحدة، بينما بقيت درجات الجزاءر ولبنان وليبيا على حالها، مما يشير إلى أن معظم التحسن، إنما يعود لتراجع مكانة دول أخرى.

وقد حافظت العراق وسوريا على مراكزها ودرجاتها المتأخرة، بينما تراجعت بقية الدول العربية في مراكزها ودرجاتها، باستثناء الجزائر وجيبوتي واليمن وسوريا.

تتفوق دولة الإمارات على كوريا الجنوبية (في المركز 31) واسبانيا (في المركز 35).  وتتفوق الإمارات وقطر على إيطاليا (في المركز 41) . 

وجاءت السعودية في المركز 54 ، متقدمة 12 نقطة عن مركزها في عام  2012.  وتتفوق السعودية والأردن (كما الإمارات وقطر) على ماليزيا (في المركز 61) والصين (في المركز 65)  على الهند في المركز 85 (كما عمان والبحرين والكويت) وتركيا في المركز 101 (كما المغرب) وروسيا في المركز 137 وإيران في المركز 147 .

مؤشر مُدرَكات الفساد 2022 : الإنتقادات والمحددات لمؤشر مدركات الفساد

تهدف محاولات قياس الفساد إلى الكشف عن طبيعة وتأثير الفساد وحجم ونطاق أنواع معينة من الفساد لمساعدة،  صانعي السياسات على تطوير أدوات فعالة لمكافحة الفساد، او للحد منه. ورغم أهمية قياس الفساد، إلا أنها مهمة صعبة، لأنه يجري في الخفاء وتحت ستار عمليات تمويه ذكية. وقد تستخدم مزاعم الفساد من أطراف سياسية خاسرة باستخدام أساليب وشعارات شعبوية واستغلال عدم المساواة الاجتماعية لتجنب مسؤولية الفشل، أو لتشويه سمعة الخصوم .

وهناك طرق مختلفة لقياس الفساد ولكل منها مزاياها وعيوبها، إذ أن كل منها صمم لاكتشاف أشياء معينة ، دون أخرى.  وتطرح أسئة  حول ماهية كل منهجية ، ماذا يقيس وكيف يتم القياس وكيف تم بناء معاييره؟ .

وتقسم طرق القياس إلى ثلاث فئات، ولكل منها حدودها الخاصة:

1. الأساليب غير المباشرة لقياس الفساد وتشمل الاستطلاعات القاءمة على التصور (الإدراك) مثل  مؤشر مدركات الفساد.

2. الأساليب المباشرة مثل مؤشرات الحوكمة العالمية WGI التي تستخدم بيانات إحصاءية من عدد كبير من الهيئات المستقلة.  و تٌجمع المعلومات المسندة بالأدلة عن الفساد مثل حالات الفساد المبلغ عنها ، وأرقام الإدانة ، ونتائج التدقيق الانتخابي، واستطلاعات العينات القائمة على الخبرة التي تجمع بيانات عن تجربة عينات تمثيلية من عدد سكان معين.

3. الدراسات الاستقصائية القائمة على الخبرة مثل تقرير النزاهة العالمي.

وتشير أدبيات الامم المتحدة  إلى أن طرق القياس المباشرة  القائمة على التجربة التي تقيس تجارب فعلية للفساد وتراعي البيئة الثقافية المحلية أكثر فعالية من الطرق غير المباشرة أو المركبة التي تستند إلى تصورات الفساد،  لصعوبة قياس الوقوع الفعلي للفساد.   

 وقد تعرض مؤشر مدركات الفساد للإنقادات على أساس منهجيته ، إذ يرى البعض أنه من غير الواضح ما الذي يقيسه مؤشر الشفافية بالضبط في ضوء الاختلافات المفاهيمية الواسعة للفساد وجوانبه المتعددة والإختلافات الثقافية العميقة بين الدول  في المعايير الأخلاقية.

وقد  أدى ذلك  لقياس مؤشر مدركات الفساد (CPI) باستخدام منهجيات مختلفة من سنة إلى أخرى، مما جعل المقارنة السنوية صعبة. لكن منظمة الشفافية العالمية عدلت في عام 2012 ،  منهجية المؤشر على نحو للسماح  يسمح بإجراء مقارنات عبر سلسلة زمنية.   ويستبعد المؤشر المواطنين العاديين وضحايا الفساد من مجموعة المستجيبين ، ويعتمد على مقابلات مع أصحاب المصلحة الذين ليسوا من الدولة المعنية ، مثل سؤال رجل أعمال أوروبي عن الفساد في بلد أفريقي.

 المصادر

https://www.transparency.org/

http://www.transparency.org/cpi

https://www.transparency.org/cpi2012/results

https://www.transparency.org/cpi2015

https://www.transparency.org/cpi2018

https://images.transparencycdn.org/images/CPI2021_Report_EN-web-embargoed_2022-01-20-185023_gitb.pdf

https://images.transparencycdn.org/images/Report_CPI2022_English.pdf

https://www.transparency.org/en/news/how-cpi-scores-are-calculated

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *