ليبيا (1) | صفحات من تاريخ العهد الوطني في ليبيا (51 – 1969)

مقر مبنى البرلمان الليبي عام 1964 في البيضاء

العهد الوطني في ليبيا : تقدمة

تعرض هذه المقالة في جزأين صفحات من تاريخ العهد الوطني في ليبيا . ويتناول الجزء الأول من هذه المقالة تاريخ ليبيا القديم والحديث والعهد الوطني في ليبيا خلال الفترة 51 – 1969 الذي قام على اساس  الشرعية الدستورية للعهد الملكي في المملكة الليبية والتي ضمت ولايات طرابلس وبرقة وفزان.

وتأتي هذه المقالة للتعبير عن الأمل بأن ترقى حوارات الليبيين الجارية في الربع الأخير من عام 2020 إلى مستوى المسؤولية، بما يسمح بمعاودة المسيرة وقيام الجمهورية الثانية في ليبيا على مبادئ الحاكمية الرشيدة؛ دولة المواطنة وسلطة القانون لصالح جميع أبناء ليبيا.


مقالات ذات صلة

ليبيا (2) | صفحات من تاريخ العهد الملكي الوطني في ليبيا (51 – 1969)

ليبيا : مؤشرات في التنمية الإجتماعية والإقتصادية لعام 2019

تونس وليبيا | المساكن الحفرية في مطماطة وفي غريان

معالم طبيعية| واحات أوباري في الصحراء الليبية


العهد الوطني في ليبيا : ظهور تسمية ليبيا

عرف قدماء المصريين الشعوب التي تقطن إلى الغرب من مصر بالليبيين، نسبة إلى قبائل الليبو (LIBU) التي كانت تعيش في جبل برقة.  

ثم انتقل الإسم إلى الفينقيين حيث عُثر على نقوش فينيقية استخدم فيها تسمية ليبيا .

وقد عرف الإغريق هذا الاسم عن طريق المصريين ولكنهم أطلقوه على كل شمال أفريقيا إلى الغرب من مصر.

أخذ الرومان اسم ليبيا من الإغريق، واصبح يطلق على الأراضي الواقعة غرب مصر من برقة حتى طرابلس.  واطلقوا على قورينا اسم ليبيا العليا وهى المساحة الممتدة من غرب مدينة درنه الحالية إلى شرق مدينة سرت.

حضارات تعاقبت على ليبيا

العهد الوطني في ليبيا : لمحات من تاريخ ليبيا

يرتبط تاريخ ليبيا القديم بحكم الفراعنة في مصر،  حيث ارتبطت القبائل الليبية بهذا الحكم بشكل وثيق، بحيث استطاع أحد ابناءها وهو شيشنق ،  أن يعتلي الحكم في مصر ويؤسس للأسرة الفرعونية الحاكمة  الثانية و العشرين والتي حكمت مصر على امتداد قرنين من الزمان في بداية  الألفية السابقة للتاريخ.

بدأ اتصال الفينيقيين (الكنعانيون وهم سكان بلاد الشام) بسواحل شمال أفريقيا غرب ليبيا في بدايات الألفية الأولى قبل الميلاد، حيث سادت تجارتهم في البحر الأبيض المتوسط ، و استقروا في طرابلس غربي ليبيا  في القرن السابع قبل الميلاد، والتي كانت يسكنها البربر (الأمازيغ). 

توسع وجود ونفوذ الفينيقيين في شمال إفريقيا، خاصة بعد تأسيس مدينة قرطاجة في عام 814  ق.م. ، وأصبحت أكبر قوة سياسية وتجارية في حوض البحر المتوسط الغربي تربط الشمال الأوروبي بالجنوب الأفريقي.

كان الفينيقيون يعبرون البحر بمحاذاة الساحل الغربي خوفا من هياج البحر بين شواطئ الشام وإسبانيا ليجلبوا منها الفضة والقصدير. وكانت رحلاتهم تجري عبر محطات ومراكز تجارية كثيرة قاموا بتأسيسها على الشواطئ الليبية للتزود بما يحتاجون إليه أثناء رحلاتها البحرية الطويلة. لكن المدن التي أنشأوها كانت قليلة، لأنهم كانوا تجاراً لا مستعمرين ، واستوطن أناس جاؤوا من الشام (فينيقيا)، هروباً من مناطق الصراع وطورا زراعتها.

 امتد نفوذ الفينيقيين إلى حدود برقة (قورينائية Cyrenaica)، وأسسوا في إقليم طرابلس غرب ليبيا مدناً هامة كطرابلس (أويا)  ولبدة (مدينة أثرية مصنفة من اليونسكو ضمن قائمة مواقع التراث العالميوصبراته،  وكانت أويا تُعرف بتريبولي (المدن الثلاث) وترتبط بقرطاجة.  وقد ازدهرت تجارة الفينيقيين على الساحل الغربي من ليبيا كمعبر إلى أواسط إفريقيا الغنية بمواردها من الذهب والأحجار الكريمة والعاج وخشب الأبنوس .

كانت السواحل الشرقية من ليبيا برقة  هدفاً سعى إليه المحتلين الإغريق، واحتلوا شرق ليبيا في النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد . واستمرت سيطرة الإغريق (بما فيهم البطالمة الإغريق) حتى القرن السابق للميلاد حين انتقلت لحكم الرومان.  

ومثلت سواحل برقة أحد انسب المواقع التي يمكن أن ينشئ فيها المهاجرون الإغريق مستعمراتهم فهي لا تبعد كثيرا عن بلادهم، بالإضافة إلى ما كانوا يعرفونه من وفرة خيراتها وخصب أراضيها وغنى مراعيها لتربية الماشية والأغنام.

ولذلك، تركز الإغريق في النصف الشمالي من برقة التي تضم بنغازي (برنيق) و شحات (قورينا ؛ المدينة الأثرية) وأبولونيا (سوسة حاليا، وهي مدينة أثرية وكانت ميناء خاصاً بقورينا) ، وبطليموس (طلميثة حالياً، وهي مدينة أثرية وكانت ميناء خاصاً لبرقة) والمرج (برقة) وبلاغري (البيضاء) وتوكرة ودرنة وطبرق، واجدابيا .  ويضم إقليم برقة في الجنوب مدن الكفرة والجغبوب وجالو وأوجلة التي ظلت بعيدة عن أطماع القوى الغازية.

في الغرب الليبي وتونس، كان استقرار قرطاج السياسي والازدهار الاقتصادي هدفاً للرومان الذين شنوا عليها حروباً متواصلة، انتهت  بإخضاعها في منتصف القرن الثاني السابق للميلاد ، بما في ذلك أقليم طرابلس، واستمرت سلطة الرومان حتى القرن السادس الميلادي حين خضعت للحكم البيزنطي حتى مجىء العهد الإسلامي.

ظلت السواحل الشرقية من ليبيا (برقة – قورينائية) تحت سيطرة الاغريق حتى بداية القرن السابق للميلاد حيث خضعت للرومان حتى القرن السادس الميلادي حين خضعت للحكم البيزنطي وحتى مجىء العهد الإسلامي.

أقاليم ليبيا

العهد الوطني في ليبيا : الحكم الاسلامي والعثماني

دخل الإسلام إلى ليبيا في القرن السابع (643 م) في عهد الخليفة الراشد عُمر بن الخطَّاب، تحت حكم عمرو بن العاص. وامتد نفوذ الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان إلى غرب ليبيا وتونس وشرق الجزائر التي كانت في أيدي الرومان. واكتسبت برقة أهميتها بوقوعها على الطريق المباشر بين الإسكندرية والقيروان، وكانت المرج مركزها الرئيسي .

وفي منتصف القرن السادس عشر ، أصبحت ليبيا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.  وقد شمل الحكم العثماني أقاليم ليبيا الثلاثة  طرابلس الغرب وبرقة وفزان، وكان يدير شؤونها والي عثماني حتى بداية القرن الثامن عشر، حين شهدت ليبيا حكمًا ذاتيًا تحت الإدارة العثمانية .

 واستمرت الإدارة الذاتية في ليبيا تحت حكم الأسرة القرمانلية حتى 1835،  وهي المرة الأولى التي يحكم فيها الليبيون أنفسهم (ذاتياً)، حين قرر السلطان العثماني استعادة سلطته وحكمه على ليبيا.

وشهد العهد العثماني إقامة عدد من المساجد التاريخية مثل جوامع درغوت و الناقة وشايب العين وأحمد باشا وقرجي.  كما أنشأ عدداً من المدارس مثل مدرسة عثمان باشا ومدرسة جامع ميزران ومدرسة الفنون والصنائع. كما شيد عدداً كبيراً من المرافق العامة، مثل الأسواق  والحمامات ومراكز الطبابة والخانات والقصور، و السرايا الحمراء التي كانت مقرا لهم، ومنها يديرون شؤون الولاية والأحياء داخل وخارج أسوار المدينة، وزودت طرابلس بالمياه العذبة.

العهد الوطني في ليبيا : الحركة السنوسية

ظهرت الحركة السنوسية الإسلامية في مكة عام 1837 التي اسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي  . وقد وُلد مؤسس الدعوة السنوسية في مستغانم في الجزائر، ودرس في جامعة مسجد القرويين بالمغرب، وتجول في البلاد العربية قبل أن يؤسس أول زاوية للحركة السنوسية في مكة.

انتقلت الحركة السنوسية إلى ليبيا في عام 1841، وحظيت باحترام وتقدير الباب العالي العثماني. وساعدت الحركة على نشر التعليم ووفرت المساعدات المادية لليبيين وخلقت شعورًا بالوحدة بينهم. وتأسس أول مجمع للزاوية السنوسية في ليبيا عام 1843 في البيضاء بالقرب من أطلال قورينا في شرق برقة.

عمت المراكز الدينية للحركة السنوسية شمالي أفريقيا ومصر والسودان المغرب ودول إسلامية أخرى، بفضل سلمية الحركة وعدم سعيها للمواجهة مع الخصوم، واعتمادها على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وجمعت بين ثلاثية العبادة والعلم والعمل. 

حرم الإمام السنوسي الكبير قتال المسلم للمسلم والصدام المسلح بين المختلفين من أبناء المجتمع الواحد. وآمنت الحركة السنوسيّة بهذه القيم والمباديء وطبقتها، سواءً في عهد مؤسسها أو في عهد من تولى بعده.  وعمل السنوسي على تطمين الولاة العثمانيين،  وعلى توثيق علاقته بحكام الأقاليم الليبيّة في طرابلس وفزان وبنغازي، وتولدت علاقة وثيقة بين الولاة العثمانيين والسنوسي مبنيّة على التقدير والأحترام المتبادل.  

ولم تهدف الحركة السنوسيّة إلى بسط نفوذها، ولم تسعى إلى السلطة والحكم. فلم يكن النفوذ السياسي من بين أهدافها ولا كانت إقامة دولة لها من بين مساعيها، ولذلك، اختلفت مع أتباع الإمام محمّد عبدالوهاب في الحجاز ومع الحركة المهديّة في السودان.

و تعد زاوية مدينة البيضاء أول زاوية سنوسية وأول جامعة إسلامية وهي جامعة محمد بن علي السنوسي. كما إنشأت في حينها زاوية في قرية (واحة) الجغبوب في الصحراء الشرقية، والتي كان لها دور كبير في انتشار وتوسع الحركة،  ثم زاوية في واحة الكفرة.  وكان مئات من الدعاة يتلقون التعليم في الزوايا على مبادىء التربية والتعليم الديني وتنقية الدين من البدع، ثم يرسلون إلى كافة أجزاء أفريقيا الشمالية، دعاة للإسلام مما أسهم في نشر الإسلام في تشاد والسودان والنيجر.

وقد وفًر محمد علي السنوسي أفضل مصادر التمويل الذاتية للحركة السنوسيّة . وقد جاء ذلك من خلال تركيزه على بناء الزّوايَا على طرق القوافل التجارية إلى أواسط أفريقيا حيث يمكن توفير مخازن آمنة لحفظ المواد الغذائية، ومكاناً لحفر الآبار الجوفيّة ولصهاريج حفظ المياه،  ومساحات واسعة من الأراضي حول  الزّوايَا تسمح بزراعة المحاصيل.  

استطاع الإمام محَمّد بن علي السنوسي في سنوات قليلة بعد وصوله إلى ليبيا – الجبل الأخضر بولاية برقة – أن يُغطي الجبل الأخضر بالزّوايَا. وبعد ذلك أخذ في تأسيس زوايا جديدة، أولاً في بقيّة ولاية طرابلس، وبعد ذلك في جنوبي تونس، وعلى سواحل بحر مرمرة وفي مصر، والجزيرة العربيّة، ووسط إفريقيا، وبين الطوارق وفي السودان وأماكن أخرى.

نقل مؤسس السنوسية  محمد بن علي السنوسي مقره إلى واحة الجغبوب بالقرب من الحدود المصرية ، وتوفي في عام  1859 وخلفه إبنه المهدي .  وفي عام 1895 نقل المهدي مقر الحركة جنوبًا إلى الصحراء في منطقة الجوف في واحة الكفرة.

توفي الشيخ المهدي في عام 1902، وخلفه ابن شقيقه الشيخ أحمد الشريف السنوسي والشيخ عمر المختار الذي قاوم المحتل الإيطالي 20 عاماً وأعدم في عام  1931 م.

وقد تولى أحمد الشريف إبن الشريف محمد علي وحفيد المؤسس قيادة الحركة عند وفاة المهدي كوصي إلى أنّ يبلغ وريثها الشرعي إبنة عمه ( إدريس المهدي ، الملك إدريس فيما بعد) السن الذي يؤهله لتولي زمام الأمور.

استمر السيد/ أحمد الشريف في إمارة الحركة السنوسيّة من 1902م إلى 1916م، حين تنازل عنها في ذلك العام لابن عمّه السيد/ إدريس المهدي السنوسي (المولود في 1890 م والملك فيما بعد).  وجاء هذا التنازل قبل عامين من مغادرته ليبيا، في ضوء فشل مراهناته وتحالفاته السياسية الدولية. وغادر أحمد الشريف على ظهر غواصة ألمانيّة بعثتها له تركيا في أغسطس 1918م، لتنقله من ميناء البريقة على ساحل ليبيا إلى النمسا ثمّ إلى دار الآستانة بتركيا. وقد توفي أحمد الشريف في عام 1933 وهو والد فاطمة زوجة الملك إدريس المهدي، ودفن في مقبرة البقيع في المدينة المنورة.

تلقى إدريس بن المهدي السنوسي (الملك فيما بعد) تعليمه بمدرسة زاوية “التاج” بالكفرة، لحفظ القرآن الكريم ودراسة الحديث والفقه والتاريخ وسائر العلوم الشرعيّة إلى جانب العلوم الأخرى كعلم الفلك والحساب.

رجح إدريس السنوسي كفة العمل السياسي على العمل العسكري في حياته السياسية. كانت حيثيات الواقع وطبيعة المرحلة وفرص المواجهة مع العدو متواضعة في حينه، ولم تكن إمكانيات المقاومة المتاحة لليبيين كافية للتصدي للجيوش الغازية. وقد سقط آلاف الشهداء في مواجهة الغزو الإيطالي، وكان الليبيون بحاجة إلى هدنة لالتقاط أنفاسهم من وطأة الحصار المضروب عليهم.      

تراجع دور الزّوايَا السنوسيّة في عهد الملك إدريس السنوسي، حيث لم تُشيد زّوايَا جديدة طوال فترة العهد الملكي. ورأى الملك أنّ قيام دولة ليبيا الحديثة الغى الدور الخدمي الذي كانت الحركة السنوسيّة تقوم به قبل قيام الدولة، وأن عليها أن تأخذ مكانها كطريقة صوفيّة، شأن باقي الطرق الصوفيّة في ليبيا.

العهد الوطني في ليبيا : الإحتلال الإيطالي  

احتلت إيطاليا ليبيا من العثمانيين في عامي 1911-1912 ، وقاد الشهيد عمر المختار مقاومة للإحتلال الإيطالي لمدة 20 عاما، خلال الحرب العالمية الأولى.  وقد تعززت المقاومة الليبية بانضمام السلالة السنوسية إلى جانب حملة المختار، كما ساندت مجاهدي إقليم طرابلس لمقاومة المستعمر الإيطالي.  وكانت الحركة السنوسية تتمركز إلى حد كبير في المنطقة الشرقية من برقة وكان تأثيرها محدوداً في المنطقة الشمالية الغربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان في طرابلس.

برلمان برقة في بنغازي

اعترفت سلطة الإحتلال الإيطالي بحكم ذاتي في مناطق في ولاية برقة، وتشكلت حكومة مقرها في أجدابيا بقيادة إلأمير إدريس، إثر مفاوضات جرت في الفترة 14-1922. وجرت انتخابات لبرلمان برقة (البرلمان البرقاوي) في عام 1920 ، وكان مقره في بنغازي. واستمر البرلمان في عمله حتى وصول الفاشيين في إيطاليا للحكم في عام 1923 ، حين أوقفت إيطاليا المجلس. وقد جرى حديثا ترميم مبنى البرلمان البرقاوي لتحويله إلى مكتبة حديثة وسط بنغازي.

وبذلك، لم تستمر حكومة أجدابياً طويلاً، ورحل الأمير إدريس السنوسي إلى مصر، وكلف شقيقه محمّد الرضا بإدارة شؤون الحركة السنوسيّة في برقة، وساند قيادة  عمر المختار للجهاد العسكري.

وحدت إيطاليا اقاليم ليبيا الثلاثة باعتبارها مستعمرة إيطالية في بداية العشرينات وخلال الثلاثينيات. وتكثفت الهجرة الإيطالية في إطار خطة استهدفت دمج ليبيا في إيطاليا الكبرى. واستثمرت السلطة المستعمرة الإيطالية في تطوير المدن والطرق والمستعمرات الزراعية للمستوطنين الإيطاليين. 

تمكن 50 الف مستوطن إيطالي من تحويل شمال برقة إلى ما يشبه مقاطعة إيطالية وزرعوا الحبوب والكروم وأشجار الفاكهة . وتم العمل على دمج ولايات ليبيا الثلاثة؛ برقة و فزان وطرابلس كمقاطعات في المملكة الإيطالية.

شيخ الشهداء عمر المختار

استقر حوالي 150 الف إيطالي في ليبيا وشكلوا ما يقرب من خمس سكان ليبيا في حينه. ونجحت إيطاليا في كسر المقاومة، في عام 1931 باستخدام القوة الوحشية وإقامة معسكرات الاعتقال للسكان المتمردين والقبض على الشهيد عمر المختار وإعدامه.

وطيلة فترة الصراع مع المحتل، وحركة المقاومة للإحتلال الإيطالي بقيادة عمر المختار، كان  الأمير إدريس السنوسي يعيش في مصر ، حتى عام 1944. 

ساند الأمير إدريس السنوسي الحلفاء عند قيام الحرب العالمية الثانية في عام 1939م،  من خلال الجيش السنوسي الذي أسسه في المنفى في عام 1940  لطرد الغزاة الإيطاليين، واعترفت بريطانيا فيما بعد بدوره في مساندة الحلفاء.

عاد إدريس السنوسي إلى ليبيا في عام 1944 م بعد هزيمة إيطاليا في الحرب، وخروجها من ليبيا.  وأصبحت ليبيا منذ ذلك التاريخ تحت حكم الإدارة البريطانيّة والفرنسية، وأدار الفرنسيون فزان، وسيطر البريطانيون على برقة وطرابلس.

أعلن استقلال ولاية برقة في 11 أكتوبر 1949م، وانتقلت سلطات الإدارة العسكريّة البريطانية إلى حكومة إمارة برقة بقيادة الأمير إدريس.

أصبحت برقة مسرحًا رئيسيًا للعمليات خلال الحرب العالمية الثانية ، التي انتهت بانتصار الحلفاء في معركة العلمين في مصر  وطرد المستعمرين الإيطاليين من ليبيا في عام 1942 . وقد تم تدمير معظم مرافق البنية التحتية التي أقيمت في عهد الإحتلال الإيطالي في إقليم برقة، من قبل الجيوش المتحاربة على أرض ليبيا خلال العمليات الحربية، بينما لم تتعرض هذه المرافق لذلك كثيراً في إقليم طرابلس ، واسهمت في استمرار التنمية الاقتصادية والإدارية في الإقليم.  

العهد الوطني في ليبيا : الشرعية الدستورية  للعهد الملكي

اعترفت إيطاليا في عام 1946   باستقلال ليبيا، وبحكم محمد إدريس السنوسي لها، ولكن الإمارة الليبية لم تكن كاملة السيادة بسبب وجود قوات إنجليزية وفرنسية فوق أراضي ليبيا.  

أرسلت الأمم المتحدة مندوبها إلى ليبيا لاستطلاع الأمر، وأخذ رأي زعماء القبائل في من يتولى أمرهم، فاتجهت الآراء إلى قبول الأمير إدريس السنوسي حاكما على ليبيا.

وبناء على اقتراح قدمته العراق والولايات المتحدة والهند وباكستان،  صدر قرار عن الجمعيّة العامَّة للأمم المتحدة (رقم 289) في أواخر عام 1949م  نص على أن مستقبل أقاليم برقة وفزان وطرابلس (التي شكلت الكيان الليبي في العهد العثماني)، يجب أن يقرره ممثلون عن الأقاليم الثلاثة. كما نص على تتشكل جمعيّة وطنيّة تاسيسية من ممثلي الأقاليم، تعمل على إعداد دستور يحدد شكل نظام الحكم والحكومة. ونص القرار على نقل السلطة إلى حكومة مستقلة ذات سيادة خلال عامين، ورجح تصويت دولة هاييتي أغلبية التصويت لصالح قيام دولة ليبيا المستقلة.   

عينت الجمعية العامة مفوَّضا خاصاً (أدريان بيلت) للمساعدة في تشكيل جمعية وطنية تأسيسية وإعداد الدستور.

وجرى تشكيل لجنة وطنيّة تحضيريّة من 21 عضواً تمثل الأقاليم، وأُسند إليها اختيار أعضاء جمعيّة وطنيّة تأسيسيّة لوضع الدستور من 60 عضواً، بواقع 20 عضوا لكلّ إقليم.

شكل أعضاء الجمعيّة الوطنية التأسيسيّة الستين لجنة من من الخبراء (18 عضواً) لوضع الدستور بالتنسيق والتشاور التام مع فريق من الخبراء والمفوض الخاص لهيئة الأمم المتحدة، وأنّ تعرض هذه اللجنة كل ما تتوصل إليه على الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة لغرض مناقشته وإقرار ما يتفق عليه.

 أخذت هذه الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة قرارات في اتجاه قيام دولة ليبيّة دستوريّة، في إطار نظام دستوري فيدرالي يضم ولايات برقة وطرابلس وفزان.  وتضمنت القرارات مبايعة أعضاء الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة الأمير إدريس السنوسي كملك على المملكة الليبية المتحدة، حيث جرى أداء يمين الولاء في 17 ديسمبر 1950 من أعضاء اللجنة الستين، و تشكيل حكومة اتحادية مؤقتة في طرابلس في اوائل عام 1951.

انتهت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من خلال لجنة الدستور من وضع دستور يتضمن 204 مادة دستوريّة في أواخر عام 1951م ، نصت على قيام ليبيا كدولة ملكية دستورية وديمقراطيّة إتحاديّة تقوم على احترام الحريات الإنسانيّة وتحديد الواجبات، وكفالة الحقوق، وحق  المرأة في الإنتخاب والفصل بين السلطات.  

وفي 24 ديسمبركانون أول 1951م، أعلن محمّد إدريس السنوسي ملك المملكة الليبية المتحدة من شرفة قصر المنارة في مدينة بنغازي الإستقلال وميلاد الدولة الليبيّة كأول مرة في تاريخها، وأنّه سيمارس سلطاته وفقاً لأحكام الدستور.  

ولم تكن ليبيا في يومِ منالأيامِ ‏دولة مستقلة بالمفهوم الحديث للدولة ، ولا كان الشعب الليبي شعباً واحداً بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلاّ بعد استقلالها في نهاية عام 1951م إذ ‏ظلت ليبيا  تُحكم عبر تاريخها الطويل من قوى خارجية حتى منتصف القرن العشرين، باستثناء الحكم الذاتي للأسرة القرمانلية لليبيا خلال العهد العثماني

وجاء إعداد دستور 1951 كوثيقة دستورية شاملة من قبل ممثلين الأقاليم التي تشكل ليبيا لقيام الدولة وعبر إرادة شعبٍية  شاملة، وجاء خلافاً لبقية دساتير العالم، سابقاً لقيام الدولة، إذ لم يصدر بناءً على إرادة أو سلطة حاكمة قائمة.

وتم تعديل الدستور في عام 1963 م تحولت فيه ليبيا إلى دولة موحدة وبإسم المملكة الليبية،  وأصبحت مدينة البيضاءعاصمة المملكة بعد الغاء النظام الاتحادي لتكون بديله عن العاصمتين طرابلس وبنغازي ومقراً لمبنى البرلمان. كما أصبحت مقرا لرئاسة الوزراء وعددا من الوزارات، ومقار لبعض السفارات الاجنبية. كان عهد الملك إدريس نابعاً من الشرعيّة الدستوريّة، والتي غابت في سبتمبر 1969.  ويؤمل أن يستهلم ممثلوا أقاليم ليبيا بعد قيام الثورة الشعبية في ليبيا في عام 2011  في الحوارات الجارية (ديسمبر 2020) في المغرب وتونس ، حكمة ووطنية ونزاهة الآباء المؤسسين للدولة الليبية، ويرقون إلى مستوى المسؤولية لإعادة العمل بالشرعية الدستورية وإقامة دولة وطنية جامعة، حرة موحدة ومستقلة وديموقراطية من أجل مستقبل افضل لجميع أبناء ليبيا.

المصادر

http://www.libya-al-mostakbal.org/

http://www.libya-watanona.com/adab/shukri/ss12056a.htm

https://www.bbc.com/news/world-africa-13755445

https://www.britannica.com/place/Libya/History

https://mirathlibya.blogspot.com/2010/11/25-9-45-14-33-1.html

http://www.libyanconstitutionalunion.org/kingidris1.pdf

https://www.wikiwand.com/en/Kingdom_of_Libya

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + 13 =