إدوارد سعيد | العربي من فلسطين الذي كان نجماً ساطعاً في الثقافة الأميركية والعالمية

لوحة الرسام الجزائري مصطفى بوطاجين

نشأة إدوارد سعيد

كان والدي إدوارد سعيد يقيمان في القاهرة  منذ زواجهما في عام 1932 . وقد  انجبت والدته إبنها الأول وسمي جيرالد ، ولكنه توفي بعد ولادته.  وهذا ما دفع الأسرة للانتقال إلى فلسطين حتى لا تتكرر المأساة ، حيث ولد إدوارد في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1935 في حي الطالبية في القدس، وجاء  إسم إدوارد على اسم أمير ويلز في ذلك الزمان.   

لم يكن إسم “إدوارد” متسقا مع الإسم العربي “سعيد”،  وكان إدوارد يعتقد دائمًا أنه غير متوافق مع بيئته الصغيرة بسبب أخطاء يقع بها  أو عيب ذاتي عميق فيه  يدفعه لمشاعر مختلطة بين العناد والفخر أو غياب الثقة في النفس والشعور بالخجل،  بدون إرادة. وكان الإحساس الطاغي لديه أنه دائمًا في غير محله، كما ينعكس ذلك في معظم صفحات سيرته الذاتية.  واستغرق الأمر حوالي خمسين عامًا حتى تجاوز الشعور بعدم الارتياح تجاه إدوارد ، الاسم الإنجليزي، واسم عائلة سعيد العربي بشكل لا لبس فيه. وكان لسنوات ممتدة، ووفقاً للظروف، يشعر بالإرتباك ، فيتجاوز  أحيانا عن تسمية “إدوارد” ويؤكد على الجزء “سعيد”  من إسمه؛ بينما يفعل عكس ذلك في أوقات أخرى وفق الموقف الذي يد نفسه فيه، أو يجمع بينهما بحيث لا يكون أي منهما واضحًا.  

لم يكن لديه رأي كبير عن نفسه في السنوات الأولى من عمره.  كان دائم التوتر، ويشعر أنه في موقف دفاعي وظهره إلى الحائط كما يقول، رغم أنه كانت هناك لحظات من التصالح مع الذات.  كان يتحدث عن إدوارد المختلف بين وقت وآخر، ويشعرعندما كان طفلاً أنه خذل عائلته دائمًا، ولم يرقى لمستوى توقعاتهم.

عاش إداورد وديع سعيد حتى عمر الثانية عشر متنقلاً بين القاهرة والقدس في رحلات بالقطار بين اللد والقاهرة. وقد التحق إدوارد سعيد بالمدرسة الانجليكية ومدرسة المطران في القدس حتى عام 1947م. وهاجر مع أسرته إلى القاهرة عند النكبة الفلسطينية في عام 1948م. كانت حياته تفتقر للاستمرارية، فالسنوات التي عاشها فيها في مصر متنقلا من مكان إلى آخر، لم يسمح له بالتكيف وتطوير ذاته. كان يشعر بالذهول لمروره في هذه المرحلة من الانتقالية، وظل يشعر أنه في حالة عبور، وهناك شعور مؤقت  ومهدد  دائمًا بالزوال، خاصة في خمسينيات القرن الماضي.

 أنشأ والده في مصر فرع لأعماله في القرطاسية في القدس بالشراكة مع إبن عمه وزوج شقيقته، وهي شركة العلم لمواد القرطاسية منذ عام 1929 ، وكان لها فرعين في القاهرة وفرع في الإسكندرية وموزعين في منطقة قناة السويس. 

نشأ إدوارد سعيد في القاهرة وكان يتكلم باللهجة المصرية خلال الفترة 48-1951،  والتحق في فرع القاهرة لكلية فكتوريا في الاسكندرية.  كان ولداً شقياً وفشل في التقيد في الأصول، ولهذا تم فصله من الكلية، وهذا سبب هجرته إلى الولايات المتحدة عام 1951.   

غادر القاهرة عندما كان عمره 15 عامًا ، وظل يشعر بالاستياء، إذ كان نتاج المدارس البريطانية بالكامل. كان هناك صراع صامت بين ثقافة الأجداد العربية المحلية والثقافة الإنكليزية التي تعلمها وأخواته، وفصلتهم عن محيطهم الطبيعي. كان إدوارد في فكتوريا يعرف الكثير عن الهند وماليزيا والمستعمرات الأخرى أكثر مما يعرف عن المكان الذي كان يعيش فيه؛ مصر. لم يتعامل مع الأدب والثقافة العربية إلا عندما بدأ التدريس في جامعة كولومبيا.

كان والده يريد أن يُبعده عن دائرة تأثير والدته ليحقق استقلاليته، لكنه سعى بعد تخرجه عام 1957 من جامعة برنستون لتجديد علاقته مع والدته.  ارسله والده إلى مدرسة انجليكانية داخلية نخبوية في الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية ماساتشوستس (Harmon Mountain School, Massachusetts) حيث تفوق في المدرسة بشكل كبير من بين مائة وستين طالباً، وحصل على الجنسية الأميركية تبعاً لجنسية والده.

كان إدوارد سعيد يتقن اللغة العربية والانجليزية والفرنسية. وقد أثرت تجربته في هذه المدرسة في بيئة متعددة الثقافات وانعكست على حياته المستقبلية، وتولد لديه إحساس عارم بالعيش خارج المكان،  كما سمى سيرته التي صدرت في عام 1999، وترجمها فواز طرابلسي في عام 2000.

أسرة إدوارد سعيد

ولد إدوارد سعيد في عام 1935،  تزوج لأول مرة من ماير جانوس الزميلة في هارفارد والمهاجرة من استونيا، واستمر زواجه بها حتى عام 1967 ، 

وتزوج من السيدة اللبنانية مريم إميل قرطاس من برمانا في لبنان في عام 1970، ولديهما ولدان نجلاء ووديع.  نجلاء إدوارد سعيد هي ممثلة وكاتبة مسرحية ومؤسسة وعضوة في المسرح العربي الأمريكي الجماعي.  ووديع إدوارد سعيد هو أستاذ للقانون في جامعة ساوث كارولينا في الولايات المتحدة الأمريكية، وخريج جامعتي كولومبيا وبرنستون.

ادوارد وزوجته مريم وولديه نجلاء ووديع

والد إدوارد هو وديع إبراهيم سعيد من سكان القدس ومن عائلة الخليفاوية من الناصرة  ووالدته حنة شماس، وكان من أشقاء وديع نبيهة وأسعد وبيل. هاجر والده للولايات المتحدة عام 1911، وحصل  على الجنسية الأمريكية لمشاركته في الحرب العالمية الأولى وأسمى نفسه وليام. غير أنه عاد إلى فلسطين في عام 1920 بطلب من والدته حنة، وكان الوالد يرى نفسه مواطنا أميركياً.  

كان لدي إدوارد أربع شقيقات، هم  روز، وجين ، وجويس ، وغريس.  ومن بين الشقيقات اشتهرت  روز كمؤرخة (الأمريكيةالجنسية) مختصة بدراسات دول الخليج العربي ، ومتزوجة من الكاتب سعيد (أنطوان) زحلان ، وتوفيت عام 2020.  كما اشتهرت جين سعيد ككاتبة فلسطينية  ولها عدة مؤلفات.  

كان الوالد وديع رجل أعمال ناجح، وشارك ابن عمه بولس مكتبة القدس العلمية في القدس ويافا، وأنشأ والده فرعاً في مصر تحت إسم  شركة العَلَم (الراية) للقرطاسيةكان والده إنساناً جاداً بعيدا عن العاطفة، لكنه كان رجل أعمال ريادي إذ ادخل استخدام المعدات المكتبية الحديثة (تطوير الآلات الكاتبة لشركة رويل بالأحرف العربية والناسخات وخزائن الأرشفة) ولوازم القرطاسية في مصر، وأسهم في تطوير عمل البيروقراطية المصرية في ذلك الزمان،   وكان يوفر القرطاسية والادوات المكتبية للجيش البريطاني.   وقد توفي والده في عام 1971 عن عمر 76 عاماً.   

والدة إدوارد هي هيلدا  من الناصرة  إبنة القس شكري موسى بشوتي ووالدتها اللبنانية منيرة، ولها أربعة أشقاء. وقد أسس وبنى القس شكري موسى الكنيسة المعمدانية في الناصرة .

ادوارد وطفليه

انتقلت والدته هيلدا من الناصرة إلى الكلية الأمريكية الإعدادية للبنات American Junior College for Women  AJCW في بيروت والتي تحولت إلى كلية جامعية، قبل أن تتحول عام 1994 إلى الجامعة اللبنانية الأمريكية  LAU . وذكرت جين ابنتها أن انفصال والدتها عن جذورها ازداد بعد انتقالها من الناصرة لتدرس في بيروت, ومن بعد ذلك إلى القاهرة حين تزوجت.

ولذلك كانت تتقن الإنكليزية. تزوجت من وديع زواجا تقايديا مرتباً في عمر 18 سنة، بينما كان عمره 37 عاماً ، واقامت بداية في القاهرة. وانتقلت إلى القدس عند إنجاب إدوارد،  وتنقلت بين القاهرة والقدس ، حتى استقرت في القاهرة بعد نكبة فلسطين عام 1948، و كان عمر الفتى إدوارد 13 سنة ، وتعلمت الوالدة اللغة الفرنسية في دورات تعليمية في القاهرة.  وجاء  إسم إدوارد على اسم أمير ويلز في ذلك الزمان،   وسبق أن انجبت والدته إبنا قبله وسمي “جيرالد” ، ولكنه توفي.

كانت الوالدة تتحدث مع طفلها إدوارد باللغتين العربية والإنكليزية، وتكتب له شاباً بعد ذلك فقط باللغة الإنكليزية. وقد خلقت أسرته لديه شعوراً بالغربة وصراع على الهوية، هل هو عربي أم أميركي ؟ وجاءت من إسمه المتناقض “إدوارد” و ” سعيد” ، ومن ميل والدته  للتحدث معه بلغة مركبة عربية وانكليزية، وتماهي والده الذي سمى نفسه ويليام (عوضاً عن وديع)، أثناء إقامته في أميركا، وكان يحمل جنسيتها، ويرى نفسه مواطناً أميركياً.  كانت الأسرة تجتهد في تصوير نفسها كاسرة أوربية صغيرة على الرغم من بيئتها العربية والمصرية. 

وقد تصالح مع هويته في نهاية الأمر ولم يعد  لديه مشكلة مع الهوية وادرك أن لديه هويات متعددة فهو فلسطيني وأميركي وعربي.

كانت والدته مُحبة بلا حدود ،  له ولأخواته، كالمحيط تأتي إليهم، موجة تلو الأخرى. بينما كان والده جامدا عاطفياً كتمثال. كان قريبًا جدًا من والدته التي توفيت قبل عام من تشخيص حالة السرطان لديه وبسبب السرطان أيضاً، كأن هناك استمرارية بين مرضها ومرضه. شعر أن حياته آخذة في التآكل. كانت كتابة سيرته عام 1999 وسيلة للتنقيب عن الماضي ، وهو ما لم يفعله من قبل ، ووسيلة للهروب من هذه المعاناة.  وقام بأول رحلة كبيرة لي إلى مصر في الفترة الفاصلة بين علاجاته الأولى، إلى حيث نشأت في القاهرة. بدت له هذه الرحلة، طريقة للحفاظ على سلامة عقله ورفع معنوياته.

كانت الوالدة هيلدا قارئة نهمة، للروايات العظيمة – ديكنز ودوستيفسكي وتولستوي، وكانت البسمة لا تفارقها، ومتحدثة لبقة. كان حضورها طاغياً على أطفالها ومضيفيها. وكانت مستوعبة ومتفهمة رائعة ، ليس فقط لوالدي ، ولكن أيضًا للمواقف التي وجدنا أنفسنا فيها. لقد شرحت لنا سلوك الناس، ونوايا الناس، وتاريخهم. كان الكثير منها يعتمد على تكهنات لا تصدق.

كانت هيلدا دائمًا غير سعيدة ومكتئبة لما تعاشته في سيرة حياتها، كان هناك صراع في نفسها عند زواجها بين رغبتها بمتابعة دراستها ورغبتها بالزواج من رجل غني أعجبت به اعفى والدتها من مصاريف متابعة الدراسة. كانت تشعر في فترات من حياتها، بالإرهاق وبنقمة وغضب على انهيار طموحاتها. ففيما رأت زوجها يرتقي ويترقى في علومه ومكانته ووظائفه, وقد أسعدها ذلك, أحست أنها لا تزال تراوح مكانها, واعترتها مرارة عميقة وشعور بأنها دفعت ثمن نجاحه. وعندما كبر الأولاد, وجدت فيهم سعادة لا مثيل لها. وكانت بالتأكيد واحدة من بين أذكى النساء التي قابلها في حياته. لكنها رفضت أن تفعل أي شيء سوى أن تكون أماً، توفيت في عام 1990 قبل عام من اكتشاف مرض سرطان الدم لدى إدوارد سعيد.    

تعليم إدوارد سعيد

أصبح إدوارد سعيد جاداً في دراسته بعد أن ذهب إلى أميركا ، وكان ينوي دراسة الطب، غير أنه توجه نحو الأدب. 

حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب (في التاريخ واللغة الإنكليزية) من جامعة برنستون عام 1957م،

وحصل على درجتي الماجستير في الآداب  في عام 1960م،  ودرجة الدكتوراه في الآداب  من جامعة هارفرد  في عام 1964 . 

وقد كان إدوارد سعيد يتقن اللغة العربية والانجليزية والفرنسية بطلاقة.

إدوارد سعيد : الأكاديمي

بدأ إدوارد سعيد التدريس جامعة كولومبيا في قسم اللغة الانجليزية والأدب المقارن في عام 1963 ، وحصل على رتبة أستاذ عام 1992، وواصل عمله حتى وفاته في مدينة نيويورك في عام 2003م..

حاضر في أكثر من 200 جامعة في أمريكا الشمالية وأوروبا وأفريقيا وآسيا.  وكان أستاذًا زائرًا في هارفارد وييل وجونز هوبكنز وتورنتو ؛ وألقى المجموعة الافتتاحية من محاضرات Empson في جامعة كامبريدج ، بالإضافة إلى سلسلة من المحاضرات في Collège de France بدعوة من البروفيسور بيير بورديو. كان عضوًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم ، والجمعية الملكية للآداب ، والجمعية الفلسفية الأمريكية ، وكذلك زميلًا فخريًا لكلية كينجز كوليدج ، كامبريدج ، وكان عضوًا في المجلس التنفيذي لـنادي القلم  PEN حتى عام 1998 ، ورئيسًا لجمعية اللغات الحديثة لعام 1999.   وفي عام (1975-1976) أصبح زميلا لمركز الدراسات المتقدم للعلوم السلوكية التابع لجامعة ستانفورد، وعمل محرراً في فصليه دراسات عربية.

ألف إدوارد سعيد اثنان وعشرون كتابا،  تُرجمت إلى 35 لغة.  وقد شملت هذه المؤلفات كتاب الاستشراق (1978)،  والمسألة الفلسطينية (1979) ،  وحول الإسلام ؛ كيف تحدد وسائل الإعلام والخبراء كيف نرى بقية العالم (1980)،  و العالم والنص والناقد (1983)، والثقافة والإمبريالية (1993) ؛ السلام وارتداداته ؛ مقالات عن فلسطين وعملية السلام في الشرق الأوسط (1996) ؛ وسيرته الذاتية ؛ خارج المكان (1999).

كان إلى جانب عمله الأكاديمي ، يكتب عمودًا مرتين شهريًا في صحيفتي الحياة والأهرام.  وكان مساهمًا منتظمًا في صحف في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط ؛ وكان الناقد الموسيقي في مجلة الأمة The Nation.  و عمل في هيئة تحرير عشرين مجلة ، وكان المحرر العام لسلسلة كتب في مطبعة جامعة هارفارد.

إدوارد سعيد

إدوارد سعيد : المثقف الملتزم

لم يهتم ادوارد سعيد في بدايات حياته بالسياسة ولا بالافكار الثورية التحررية .  وحتى الثلاثينيات من عمره و كان مشغولاً للغاية بدراساته، حيث كان يتقدم بسلاسة من خلال جامعة برنستون وجامعة هارفارد للدراسات العليا ، ويطور منهجياته النقدية وينغمس في شغفه بالموسيقى ، وخاصة العزف على البيانو ، الذي حقق فيه مستوى شبه احترافي من الكفاءة.

اتجه نحو الادب والموسيقى وهو ما ميز كتاباته الاولى واطروحته للدكتوراة حول الاديب البولوني ؛ جوزيف كونراد وادب السيرة اصدره سنة 1966 ، الذي تشبه سيرته كثيرا سيرة ادوارد سعيد من حياة اغترابه المبكر من وطنه و حرمانه من حنان الام منذ الطفولة بفعل الهجرة الى جانب قسوة وتسلط الاب. 

كان منعزلا عن الشرق الأوسط حتى حرب عام 1967 عندما أعاد اكتشاف ذاته العربية.  واستمد تعامل سعيد مع فلسطين جذوره العاطفية العميقة ، لا سيما عاطفته تجاه عمته في القدس نبيهة ، أخت والده ، التي كرست حياتها بعد عام 1948 للعمل مع اللاجئين الفلسطينيين في القاهرة .

العمة نبيهة

اختبر إدوارد قضية فلسطين تاريخاً وقضية بفضل العمة نبيهة، إذا أدخلت إلى وعيه محنة وعذابات اللاجئين. كانت نبيهة، زوجة بولس سعيد ابن عمها،  وشريك وديع والد إدارة في  الأعمال التجارية،  ناشطة على مدار عشر سنوات في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في القاهرة للحصول على أذون عمل وسكن لعائلا اللاجئين ، وللبحث عن أعمال لهم في القطاع الخاص بين معارفها واصدقاءها، ومنهم وديع سعيد والد إدوارد.  وكانت تتنقل بلا كلل بين المستوصفات وبين جمعية خيرية واخرى من الجمعيات الناطقة بالانكليزية العائدة للكنائس البروتستانية طلباً للحصول على مساعدات مالية لدعم اللاجئين وخاصة الأطفال لأغراض طبية. وقد شهد إدوارد بنفسه كيف كانت تستقبل العشرات في منزلها في شارع فؤاد الأول يوم الجمعة، والذين كانوا يسعون للحصول على مساعدتها ، وتوزع عليهم المال والأدوية، وتنظم لهم مواعيد مع اطباء ومستشفيات لمعالجتهم. 

أدى  انتشار موجات العنصرية ومعاداة الاجانب في الولايات المتحدة الامريكية في اعقاب حربي 67 و 73 العربية الاسرائيلية، وتاثره بشدة بالمد الثوري التحرري الذي عرفه الادب العالمي لدى جيل من الكتاب والنقاد المتميزين، الى ايقاظ الوعي النقدي والنضالي إدوارد سعيد، الحامل  للجنسية الأمريكية ومن الشخصيات المؤثرة في النقد الحضاري والأدب. واستخدمها في انتاجاته الادبية والفكرية المتميزة ، يكتب عن فلسطين منتقدا السياسات الأميركية الداعمة لإسرائيل.

وقد تاثر بالمنهجية العلمية للمفكر والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تناول القضايا وتفكيكها وخصوصا  كتابه اركيولوجيا (حفريات) المعرفة. 

و تأثر بمناهج و طرق تفكير  الأكاديمي، والروائي، والناقد الويلزي ريموند وليامز وساهمت كتاباته عن السياسة والثقافة والإعلام الجماهيري والأدب بشكل كبير  في النقد الماركسي للثقافة والفنون.  

و تأثر بمفاهيم فكرية كبيرة  للفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي انطونيو جرامشي الذي اشتهر بنظريته عن الهيمنة الثقافية، التي توضح كيف تستخدم الدولة والطبقة الرأسمالية البرجوازية الحاكمة المؤسسات الثقافية للحفاظ على السلطة في المجتمعات الرأسمالية.   وقد سجنته الفاشية الايطالية،  وأسهمت دفاتر السجن الخاصة به في النظرية السياسية للقرن العشرين.  

وتأثر  بالفيلسوف والمؤرخ والناقد والناشط السياسي الأمريكي أفرام نعوم تُشُومِسْكِي الذي كان  ناقدا بارزا للحرب الفيتنامية ، و اشتهر بكونه منظراً رئيسياً للجناح اليساري وبنشره كتباً لنقد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ورأسمالية الدولة ووسائل الإعلام الإخبارية العامة. 

عُرف إدوارد سعيد، كما هشام شرابي، بموقفه الناقد لنظرة الغرب ورؤيته للشرق، فلم يكن دفاعيا بعكس أقرانه، بل طرح  مبدأ احترام التعددية الثقافية وربط المعرفة بالنزعة الإنسانية بدل النزعة التسلطية الأيدولوجية كبديل للاستشراق لردم الهوة بين الشرق والغرب.

قدم إدوارد سعيد أكبر مساهمة فكرية نقدية وجدلية حول موضوعات ساخنة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.  كان يصب الكتب والمقالات والمراجعات والمحاضرات والبرامج التلفزيونية بلا كلل، والتي تعكس التزامه المبدئي في قضايا متعددة تتصل بالاستعمار الأوروبي إلى وسائل الإعلام الأمريكية،  إلى الثقافة والإمبريالية.

كان من الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية وصوتا راسخاً مناهضاً للاستعمار والافكار الاستعمارية في الاوساط الجامعية الغربية وخصوصا الامريكية ومناضلاً من اجل تصحيح صورة الاسلام وقضية فلسطين في اوساط النخبة العلمية الغربية، داحضا بذلك مجموعة من اراء المستشرقين الذين شوهوا الاسلام والقضية الفلسطينية وربطوهما بالارهاب والتطرف ومعاداة الاخرين .

إدوارد سعيد ومحمود درويش

في سنة 1974، بناءً أيضاً على اقتراح من إبراهيم أبو لغد، الأكاديمي الأميركي الفلسطيني، كُلف سعيد ترجمة الخطاب الذي ألقاه ياسر عرفات اجتماع هيئة الأمم المتحدة في سنة 1977، والتقى أول مرة في نيويورك الشاعر الفلسطيني محمود درويش.  

اصبح إدوارد سعيد عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني بصفة مستقل في  عام 1977 . كان يعتبر عضويته في المجلس الوطني “فعل تضامن” ، وتأكيد لهويته الفلسطينية.  وقد حضر أربع دورات للمجلس، منها دورة 1988 في العاصمة الجزائر، التي انبثق منها إعلان الاستقلال الفلسطيني. وحاول عبثا اقناع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأهمية الجاليات الفلسطينية المنتشرة في انحاء العالم.  واستقال في  عام 1991  من المجلس الوطني الفلسطيني بسبب معارضته لاتفاقات اوسلو .

أثار كتاب “الاستشراق” عام 1978 ضجة كبيرة،  وترجم الى 26 لغة،  إذ اعتبر بان مصطلح الاستشراق  يعكس تحيزا مستمرا وماكرا من دول مركز أوروبا تجاه الشعوب العربية الإسلامية.  واعتبر أن الصور الرومانسية الكلاسيكية الشائعة في الكتابات الأوروبية تجاه آسيا والشرق الأوسط ليست إلا تسويغا للطموحات الاستعمارية الإمبريالية للدول الأوروبية، ولاحقا الولايات المتحدة.

كان إنساناً ملتزماُ ولا يعرف كيفية الاسترخاء رغم معاناته من سرطان الدم قبل 12 عاماً من وفاته في  عام 2003 ، ويرى  الوقت كواحد من المواعيد النهائية ويستمر في الاستجابة لحاجة الجمهور  الواسع الذي ينتظر و يستقبل فكره.  لم يكن مجرد شخص أكاديمي وإنما مفكراً ملتزماً ، كان العمل هو ما يجعله يشعر بالاسترخاء.

بوستر إدوارد سعيد

إدوارد سعيد : العروبي بامتياز

رغم جنسيته الأمريكية وديانته المسيحية ، واختصاصه في اللغة الانكليزية والأدب المقارن،  كان إدوارد سعيد مأخوذاً باللغة العربية ،  ومدافعاً عن الإسلام في كتابه  تغطية الإسلام . تحدث  في مقابلة مع صحفي أمريكي بكل شغف عن اللغة العربية الغنية، والقيم العربية الجامعة وقيم العائلة، وان العرب ورثة حضارة إنسانية.  قال أن اللغة العربية هي من أروع البنى الاستثنائية التي أنتجها العقل البشري.  إنها لغة جميع العرب رغم كل الانقسامات  من المغرب حتى الخليج العربي.  

قال إدوارد سعيد أن العربية لغة مشتركة حية على نحو مذهل، إذ لها ادب يرافقها فهي لغة الشعر والفلسفة والأدب وعلم الكلام و لغة القانون،  لغة مهارة السرد كما في الف ليلة وليلة ورحلات ابن بطوطة . قال أن العربية هي اللغة التي جاء بها القرآن، لغة الإسلام  أحد أعظم الديانات، ولها ثقافة سياسية جامعة ليس لدول منفردة بل للأمة والشعب العربي.

دافع عن الإسلام  و دحض  الأفكار المغلوطة عن اللغة العربية بأنها لغة صعبة وانها لغة العنف والكلام المنمق،  وقال إنها لغة الحضارة العربية الإسلامية التي انفتحت على الحضارات الاخرى الممتدة في نطاقات جغرافية واسعة ونقلت الحضارة اليونانية للغرب.  أشار إلى الحضارة العظيمة في السهول الخصبة في سوريا والعراق،  والحضارة الأندلسية للعرب في إسبانيا ،  وفي شمال إفريقيا  حيث اندمجت الفنون والثقافات والعادات الجنوب إفريقية مع الإسلام ، ثم المزيج الثري من الحضارتين العربية والفرعونية في مصر .  

وفي مقالة لسعيد،  ذكر إن العربية ليس لها نظيرا على مستوى دقة العبارة ، فكل شيء واضح ومنطقي وممنهج ومجرد.  وتتمثل المرونة اللغوية  في العربية في تشكيل نهاية الكلمات وِفقَ موقعِها في الكلام على الوجه الصحيح، وفي اشتقاق الكلمات لاسم الفاعل واسم المفعول من الحروف نفسِها، والتي تتغيَّر من وَزنٍ إلى آخر دون الحاجة إلى كلمة مُساعِدة، مثل: كاتِب، مَكتوب، مَكتب، ومَكتبة.  . كما انها جميلة، حينما نتأملها في صورتها المكتوبة في فن الخط. فن تركيبي، يتميز بأعلى درجات التعقيد، ويضاهي فنون الزخرفة والأرابيسك.

وانتقد سعيد النخب العربية التي حاولت استيعاب والتشبه بالأفكار الاستشراقية الذي اعتبره تقليدا أكاديميا يقوم على التمييز المعرفي والوجودي بين الشرق والغرب، أجل الهيمنة على الشرق.  وقد رآى سعيد أن معظم الدراسات الأوروبية عن الحضارة الإسلامية كانت متحيزة وتهدف إلى تأكيد الذات الغربية.

إدوارد سعيد : الموسيقى

سارت الموسيقى جنباً إلى جنب مع الأدب في حياة إدوارد سعيد، خاصة في فن الغناء، و كان انطباعه  الموسيقي الأقوى عندما كان طفلاً عندما كانت أمه تغني له.  كان موهبة مبكرة في الموسيقى، لكنه افتقر لمدرسين متميزين. أصبحت  الموسيقى مجالًا للخصوصية بالنسبة له وبعيدة عن التاثيرات والمعايير والتسميات التي نستخدمها لوصف الكائنات الاجتماعية. لم يكن مضطرًا لمشاركة الموسيقى مع أي شخص،  كانت مجالًا من الاستقلالية النسبية بالنسبة له ، وكانت مهمًة للغاية في هذا الصدد.

كان لدى إدوارد سعيد إلمام المبكر بالموسيقى الكلاسيكية الغربية وكان يعزف على البيانوا منذ طفولته المبكرة ، وكان يحضر حفلات موسيقية بصحبة والدته.  ومع أنه تخلى عن أفكاره عن العمل كعازف بيانو في أواخر سن المراهقة ، إلا أن الموسيقى ظلت شغفًا طوال حياته.

كان إدوارد سعيد مفكرًا موسيقيًا  عميقاً ؛ باحثًا ومعلمًا وناشطًا  وهاوياً ، وكانت مصطلحاته وطرق تفكيره تعتمد دائمًا على النطاق الكامل للظاهرة الثقافية للموسيقى الكلاسيكية و فهم جوهري لها كمؤسسة ثقافية محورية. ولذلك، كانت كتابات إدوارد سعيد عن الموسيقى تحظى باحترام كبير، الأمر الذي جعله ناقدًا جاداً وقويًا في ضوء فهمه للأبعاد الثقافية للموسيقي.  وقد أتاح له تحليله للعديد من الأعمال الكبرى للموسقى،  فرصة الاستماع إلى العالم.  إذ “فهم العالم من خلال الموسيقى”، حتى إن مفهومه عن الحياة والعالم نشأ في الموسيقى.

وكان إدوارد سعيد عازف بيانو محترفاً ،  إلى جانب كونه مفكرًا عامًا ، وعمل ناقدًا موسيقيًا لمجلة The Nation .   فقد ألف عدة كتب عن الموسيقى:  متتاليات موسيقية  فى عام 1991 ؛  مؤلف مشارك لكتاب المتوازيات والمفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع (2002) ؛ وصدر بعد وفاته ، كتاب  موسيقى بلا حدود ، و كتاب ، الأسلوب المتأخر.. موسيقى وأدب عكس التيار. 

إدوارد سعيد :  الجوائز والدرجات الفخرية

إلى جانب التكريم والعضوية في المنظمات العلمية المرموقة في جميع أنحاء العالم ، مُنح إدوارد سعيد حوالي عشرين درجة جامعية فخرية في مسار حياته المهنية كأكاديمي وناقد ورجل آداب. وقد شملت هذه الجامعات؛ جامعة شيكاغو ، وجامعة جواهر لال نهرو ، وجامعة بير زيت ، وجامعة ميشيغان ، وجامعة إدنبرة ، والجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وجامعة أيرلندا الوطنية ، وجامعة السوربون. والجامعة الأمريكية في بيروت

ومن بين الجوائز التي نالها:

  • جائزة Bowdoin من جامعة هارفارد.
  •  حصل مرتين على جائزة Lionel Trilling Book ؛ كانت المناسبة الأولى الافتتاحي لمنح الجائزة الأدبية المذكورة في عام 1976 ، عن بدايات: النية والطريقة (1974).
  • جائزة ويليك لجمعية الأدب المقارن الأمريكية

–    ثلاثة جوائز  السيرة الذاتية خارج المكان (1999) ،

–    جائزة كتاب نيويوركر لعام 1999 للكتب غير الروائية ؛

–   جائزة Anisfield-Wolf Book لعام 2000 عن الكتب غير الروائية،

  • جائزة لانان الأدبية عن إنجازات مدى الحياة عام 2001
  • جائزة أمير أستورياس للكونكورد عام 2002

–   جائزة مورتون دواوين زابل في الأدب.

  • جائزة Spinoza  الاولى.
  • جائزة السلطان عويس (للإنجازات الثقافية والعلمية ، 1996-1997).
  • زميل فخري لجمعية دراسات الشرق الأوسط.

إدوارد سعيد

إدوارد سعيد : عودة الى الجذور

كانت رحلة عائلة إدوارد سعيد إلى فلسطين عام 1992 الأولى إلى بلاده التي ولد فيها ، وهي رحلة تضمنت إقامة قصيرة في الناصرة. قال، الناصرة أعادتني إلى الحياة بشكل مذهل، من بين جميع المواقع الفلسطينية التي زرتها ، فهي من بين المواقع الأكثر ثراءً من حيث الأهمية والأكثر غموضاً.

كانت الناصرة مسقط راس والدته  هيلدا وأصول عائلته. دفن  فيها جده لأمه شكري موسى بيشوتي أواخر العشرينيات ، بعد أن أسس وبنى الكنيسة المعمدانية. وتصف زوجته مريم زيارته المؤثرة لبيته القديم بالصدمة، وتذكر أنه رفض دخوله.  وتعتبر مريم أن هذه الزيارة فتحت عليه فلسطين، بينما تقول ابنته إن أباها وجد الكثير من الارتباط العاطفي في الزيارة، رغم أنه لم يكن معروفاً في بلده الأول مثلما كان معروفاً في أميركا. 

وفاة إدوارد سعيد

توفي إدوارد وديع سعيد في مدينة نيويورك في أيلول  من عام 2003م بعد معاناة طويلة من مرض سرطان الدم الليمفاوي المزمن (اللوكيميا) لمدة 12 عامًا.  وقد أوهن المرض جسمه، لكنه لم يوهن عقله وإرادته وظل حتى وفاته يكتب ويقاوم كعادته، يتقدم الصفوف الأولي. 

ادوارد سعيد في العام الأخير

كانت آخر مقابلة له في نهاية آذار مار لعام 2003 ، وقال إدوارد إن هذه المقابلة الأخيرة هي شهادته الأخيرة . وكانت مقابلة لافتة لهذا المفكر الملتزم بحماس لم يفتر أبداً.  

نعته الصحف العالمية مثل نيويورك تايمز  والجارديان  والواشنطون بوست كصوت لمؤيد كبير للقضية الفلسطينية. 

دفن سعيد في المقبرة البروتستانتية في برمانا ، في قضاء المتن في محافظة جبل لبنان، والتي تبعد عن العاصمة بيروت 20 كيلومتراً. ويشير شاهد قبره إلى أنه توفي في 25 سبتمبر 2003.

ويشغل رشيد الخالدي مركز أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية الذي انشىئ في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد خصصت جامعة كولومبيا برنامج منح باسم إدوارد سعيد للبحث في أعمال إدوارد دبليو سعيد المحفوظة في مكتبة الكتب والمخطوطات النادرة في جامعة كولومبيا.

المصادر

https://en.wikipedia.org/wiki/Edward_Said

https://bombmagazine.org/articles/edward-said/

https://www.alowais.com/en/dr-edward-saeed/

https://down.ketabpedia.com/files/bkb/bkb-tr01165-ketabpedia.com.pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 + أربعة عشر =