الخط العربي| دُرًةَ الفن الإسلامي.. الذي ولد في العراق

محمد أبوبكر الصديق... من الباكستان
لوحة خطية للخطاط محمد بو بكر الصديق من باكستان
تعرف على سلسلة الخط العربي من ثمانية مقالات؛ الخط العربي وسفراء هذا الفن والثقافة العربية من اليابان والصين والولايات المتحدة وإسبانيا وروسيا، ودور هؤلاء الرواد في الخط العربي، المحوري في الاختراق الثقافي عالمياً ومحلياً. تتناول هذه المقالة الأخيرة مفاهيم فن الخط العربي، التي تتصل بالأعمال الخطية التي تُنجز بنوع معين من أنواع الخطوط، ووفق قواعد كتابة الخط المعروفة. ولا تتصل بفن الحروفية او فن الخط التشكيلي التي لا تتقيد بهذه القواعد وتعتمد على رمزية او تجريدية الحرف وتغييبه داخل الألوان. وتعرض المقالة الابعاد الثقافية للخط العربي الذي وُلِدَ ووضعت قواعده في العراق، قبل أن تنتقل الراية للدولة العثمانية التي اشتهر فيها رواد كِبار لقرون ممتدة، وضعوا أسس وقواعد تعليم الخط السائدة في يومنا هذا، وأعلام في الخط في العالم العربي.

الخط العربي: ولد في العراق وترعرع في تركيا

جاءت سلسلة الخط العربي في موقع “عالم عربي” من ثمانية مقالات؛ لتُعرف بالخط العربي وبسفراء لهذا الفن وللثقافة العربية من اليابان والصين والولايات المتحدة وإسبانيا وروسيا، ودور هؤلاء الرواد في الخط العربي، المحوري في الاختراق الثقافي عالمياً ومحلياً.

تتناول هذه المقالة الأخيرة مفاهيم فن الخط والخط العربي، التي تتصل بالأعمال الخطية التي تُنجز بنوع معين من أنواع الخطوط، ووفق  قواعد كتابة الخط المعروفة. ولا تتصل هذه المقالة بفن الحروفية الذي لا يتقيد بهذه القواعد ويعتمد على  رمزية الحرف أو فن الخط التشكيلي الذي يعتمد على تجريدية الحرف وتغييبه داخل الألوان.

وتعرض المقالة الابعاد الثقافية للخط العربي الذي وُلِدَ ووضعت قواعده في العراق، قبل أن تنتقل الراية للدولة العثمانية التي اشتهر فيها رواد كِبار لقرون ممتدة، وضعوا أسس وقواعد تعليم الخط السائدة في يومنا هذا، وأعلام في الخط في العالم العربي وغير العربي.

فن الخط

يعني فن الخط Calligraphy حرفياً فن الرسم الجميل بالكلمات؛ رسم حروف الخط  Graphy وجمالية الرسم Calli، وأصلها اليوناني Kallos.

وليس فن الخط مجرد كتابة جميلة، يوصف كاتبها بصاحب القلم أو الريشة الأنيقة لوضوح وسهولة وسرعة القراءة، أو لزخرفة مادة الخط بهدف إكساب الخط شكلاً فنياً، وإنما لفن الخط هدف أبعد، وهو نقل الرسالة أو المعنى العميق لمادة الخط من كاتبه إلى القارئ لدعوته للتفكير بطريقة أخرى.

وينطوي فن الخط، شأن فن الرسم أو الموسيقى، على مجموعة متعددة من المهارات؛ مهارة حركية تتصل بمسك القلم،  وتحريكه على سطح الكتابة بقوة الضغط اللازمة للمسافة المطلوبة، ومهارة فنية تتصل بشعور الفنان بحيز الكتابة، والتفاعل معها وتطوير اتصال حقيقي مع الحروف، بحيث يمكن ملاحظة الخطاط وهو مستغرق في العمل على لوحته.

وينطوي فن الخط على كَمَالِية الشكل وتناسبية الحروف، وكُلية تناسق وجمالية الكلمات وانتظامها في أماكنها في توازن تام وسلامة الإيقاع والتواتر في الكتابة من حيث التماثل والتبادل والتناظر، بحيث تصبح قراءة الخط للمشاهد أقرب إلى سماع الموسيقى بعيونه.

وتعكس شمولية جودة الكتابة، ما نطلق عليه جمال الخط، وتُعَبِر وتعكس بوضوح بصمة الخطاط؛ إبداعه وَنفَسَه ورُوحِه، و ووعيه بالبعد التراثي للخط، وقدرته على إبداع تشكيلات خطية جميلة، تُكسبه هوية مميزة يمكن للعين الخبيرة تتبعها.

ولا يمكن مقارنة كتابات الخط العربي مع الكتابة الحاسوبية الرقمية المعيارية، فإنشاء لوحة خط يشبه فن النحت؛ فاللوحة النهائية شِعْر للعين؛ وموسيقى مدونة في ورقة، وفرحة للعين، ومعنى للروح .


موضوعات ذات صلة
الخط العربي [1]|الخطاط فوآد هوندا الذي نقل الخط العربي للجزيرة اليابانية
الخط العربي [2] | الخطاط نور الدين مي غوانغ الذي يكتب الخط العربي بحروف صينية
الخط العربي [3]| الأميركي الأوروبي محمد زكريا سفير الفن الإسلامي في أميركا
الخط العربي [4]| الإيبيرية نورية غارسيا التي نقلت الخط العربي للعالمية
الخط العربي[5]| الأميركية إلينور هولند…نجمة ساطعة في الخط العربي واللاتيني
الخط العربي [6] | التركي حسن الجلبي.. رائد المدرسة التي نقلت الخط العربي إلى العالمية
الخط العربي [7]| نجيب نقاش وآخرون … حروفية عربية بأيدي غير عربية
كريم جعفر من المغرب| سفير الثقافة العربية في فرنسا
اللغة العربية في ميزان اللغات العالمية

فن الخط العربي : أبجدية فريدة

فن الخط العربي هو كتابة تشكيلات خطية جميلة بحروف عربية. ويصفه الخطاطون الأتراك بفن الخط الإسلامي، لأن كتابات الخط تتناول كتابات دينية، وكثير من الخطاطين من غير العرب.

وتنفرد الكتابة العربية باختلاف شكل الأحرف حسب موقعها في الكلمة، حيث تكون الأحرف متصلة في الكلمات. ومن شأن هذه الخاصية الفريدة، أن تجعل الأحرف قابلة لاكتساب أشكال هندسية مختلفة من خلال المد والبسط والمط والإستدارة والتزوية والتشابك والتداخل والتركيب.

ويتعلق المد بالامتداد الرأسي للحروف القائمة مثل اللام والألف وقوائم الظاء والطاء، بينما يتعلق البسط بمد الحروف افقياً مثل حروف السين والصاد والياء والكاف، ويتعلق المط بقابلية حروف مثل الراء والهاء والواو والنون وغيرها لزيادة الحجم والطول بداية من استدارتها.

وتتصل الاستدارة بتقويس الحرف للخارج او للداخل في حروف مثل الجيم والحاء والخاء والسين والشين والصاد والضاد، بينما تتصل التزوية  بقابلية الحروف أن تكتب باشكال هندسية مستطيلة او مربعة.

ويتعلق التشابك والتداخل بالحروف الرأسية كالألف واللام لأغراض الزخرفة، بينما يتصل التشكيل والتركيب بتراكب الحروف أو الكلمات بعضها فوق بعض أو تداخلها وتشابكها من اجل الوصول إلى تكوين خطي جديد لم يكن موجودًا من قبل.

وتعطي هذه الخصائص المقومات التشكيلية التي تعزز من الطبيعة الفريدة للأبجدية العربية وتعطي للخط العربي روحه المميزة،  وتوفر إمكانات غير محدودة في إبداع تشكيلات خطية.

وقد ذكرت إلينور هولند إن توزيع الكلمات والحروف والمقاطع في اماكنها الصحيحة وطريقة تراكبها وتشابكها في نسق انسيابي وتتابعي، يهدف إلى خلق علاقة تشكيلية ذات ابعاد جمالية.

ويؤدي خلق علاقات تصميمية كتقاطع الحروف، واضفاء الحركة والحيوية لها بمساعدة العلامات الاعرابية والتزينية، إلى إحداث توازن شكلي للتركيب العام والوصول لبنية خطية مبتكرة لفنان الخط.

محمد اوزجاي من تركيا … البر حسن الخلق

الخط العربي: أبعاد فنية وثقافية

ينطوي تعلم الخط على مهارات تراكمية ومتعددة الأبعاد تقنياً وفنياً وثقافياً. ويتطلب فن الخط العربي مهارات حركية لِخَطْ وتشكيل الكلمات وترتيبها، لا يمكن اكتسابها إلا بالتدريب والممارسة، ويحتاج المرء إلى وقت لرؤية نتائجها.

ويتطلب الخط العربي موهبة ومهارة فنية تتصل بمعرفة صفاته التشكيلية، وقدرات الخطاط الفنية والحركية على الإبداع والتميز في جماليات الخط من خلال توظيف هذه الصفات والمناورة بين الظل والنور والكتلة والفراغ، والخط واللون، في إيقاع يحقق الانسجام والإتساق في التشكيلات الخطية.

لكن قيمة فن الخط العربي لا تقتصر على الجانب الوظيفي كأداة للتواصل، ولا على الجانب الفني التشكيلي الذي يعزز الجانب الوظيفي، وإنما تتعداه إلى مضمونه الثقافي، الذي يجعل منه عمل فني متكامل يجمع بين المعنى والمبنى وبين الشكل والموضوع.

وذلك لا يمكن للخطاط العربي أن يبرز في فنه ما لم يكن على معرفة بالأبعاد الروحية او الثقافية لمضمون الخط الذي يكتبه.

ويمارس هذا الفن في العديد من اللغات التاريخية الحية، وتعد فنون الخطوط العربية والصينية، والهندية واليابانية، أمثلة على لغات يكون لفن الكتابة الجميلة فيها تأثير كبير على الثقافة المحلية، يرقى إلى اعتباره فناً رئيسيًا.

ويمثل الخط العربي أحد أشكال الفنون البصرية في الحضارة الإسلامية، ويقترن تاريخياً بالزخرفة العربية حيث يستخدم بشكل واسع لتزيين المساجد والمباني والقصور، ولتزيين المخطوطات والكتب وخاصة نسخ القرآن الكريم، وحديثاً في تزيين المنازل وفي صناعة الإعلان.

وجاء الإهتمام بالخط العربي على حساب فن تصوير العناصر الشخصية و تجسيد الطبيعة التي يرى البعض أنها تقع في دائرة مضاهاة خلق الله تعالى. ولذلك، غابت فنون التصوير والرسم كثيراً عن الفنون الإسلامية، في ضوء جدلية أن الأحاديث الشريفة نهت عنها،  في حين خالف هذه الجدلية أعلام من رجال الدين.

ويوفر فن الخط تراثاَ تاريخياً إبداعياً كبيراً للتعلم منه لتدريب اليد والعين،  لكن النجاح في تقليد السَلَف وإعادة إنتاج أعمال الخط للأعلام  التاريخيين،  لا يمكن ولا يجوز أن يكون الوجهة النهائية للخطاط. فالإبداع في فن الخط يتطلب التعلم من هذا الإرث التاريخي والبناء عليه والإستفادة من أدوات وتقنيات الحاضر، في ترقية الخط العربي إلى آفاق أوسع.

الخط العربي: نشأة وتاريخ فن الخط

بدأ فن الخط بكتابة النسخ الأولى من القرأن الكريم في القرن الميلادي السادس خشية عليه من الضياع والذي كان يحفظه الرسول واتباعه غيباً.

وقد كانت لغة الكتابة في حينها  شكلاً معدلاً ومنقطاً للكتابة النبطية، وهي لغة العرب القدماء (الأنباط) الذين كانوا يقطنون في شمال الجزيرة العربية و جنوب الشام وملوك العرب منذ القرن الثالث. وأخذ الخط العربي في الإنتشار مع توفر نسخ القرآن الكريم بين  العرب وفي العالم الإسلامي. وقام عدداً من الصحابة بتعليم الخط في مسجد في المدينة المنورة.

واستخدم خط المَشْق وهو من أوائل الخطوط العربية، التي ظهر في عهد عمر بن الخطاب، وفيه امتداد لحروف الدال والصاد والطاء والكاف والياء الراجعة، واختصار للمسافات بين الكلمات، وقد نُسخت به أكثر المصاحف في ذلك العهد.

وتبع ذلك تطوير شكل أكثر دقة للخط العربي وهو الخط الكوفي، أقدم الخطوط العربية، واعتُمِدَ في تدوين القران الكريم ونسب إلى أول مدينة أنشأها الخليفة عمر بن الخطاب في عام 638  م، ولذلك قيل أن الخط العربي وُلِد في العراق.

ثم جرى في سنوات لاحقة ، تطوير انواع من الخطوط، مثل  خطوط الثلث والنسخ  والريحاني والمحقق والرقعة بواسطة الخطاط محمد بن علي بن مقلة (المتوفى 940 م)، في عهد الخلافة العباسية في بغداد، وهو واضع قواعد الخط من نقاط ومقاييس وأبعاد التي تُعرف اليوم .

وجاء بن البواب علي بن هلال البغدادي المتوفى سنة 1022 م، الذي كتب مصاحف كثيرة، وبنى على القواعد التي أرساها ابن مقلة وهذبها، وأجاد في تراكيبه الخطية، وأقامها على قواعد جمالية.  ولذلك يعتبر بن مقلة وإبن البواب أول من أسس لقواعد الخط العربي. ثم خلفهم شرف الدين أبو عبدالله البوصيري صاحب البردة الذي علم كثيراً من تلاميذ الخط (توفي عام 1296) وياقوت الرومي الذي قلد بن البواب وتوفي في عام ١٢٩٨.

ويعتبر خط النسخ  أحد أوضح الخطوط العربية، لوضوح حروفه وكمال تشكيله؛ مما يسهل عملية القراءة ويضمن سلامة النطق. ولذلك، درج الخطاطين العثمانيين على كتابة المصاحف بهذا الخط، وهو الأكثر استخداماً في الكتابة الحديثة للقرآن.

ثم جرى تطوير الخط المغاربي في المغرب وانتشر في شمال إفريقيا واستخدم في الدولة الأندلسية في إسبانيا في القرن الثامن.  وظهر الخط الفارسي (خط التعليق) الذي استخلص من خطوط النسخ والرقعة والثلث.

الدولة العثمانية: الخط العربي هندسة روحانية

لقي الخط العربي اهتماماً كبيراُ في عهد الدولة العثمانية، منذ القرن الخامس عشر. وقد جعلت منه مهنة رفيعة، وإرثًا ثقافيًا مميزًا، ومنحته مكانة اجتماعية عالية، حتى أن هناك قول شائع في تركيا بأن القرآن نزل في مكة والمدينة، وقُرأ في مصر وكتب في تركيا.  ولكن، القرآن كُتب بداية في العراق وفيه وضعت قواعد كتابة الخط في القرآن.

كان بعض الخلفاء العثمانيين من هواة الخط العربي وبرعوا فيه، ومنهم السلطان محمود الثاني والسلطان عبد المجيد الأول والسلطان عبد العزيز خان  وآخر السلاطين عبد الحميد الثاني.  وكان السلطان أحمد خان الثالث الذي حكم حتى عام 1730، بارعاً في خطي النسخ والثلث، وكتب عدة مصاحف، وأهدى نسختين منها للمسجد النبوي، وتحتفظ دار الكتب المصرية بمجموعتين من خطه. ‏

وقد رعى السلطان بايزيد الثاني (حكم حتى عام 1512) الخطاط حمد الله الأماسي (توفي عام 1520)، الذي كان له فضل وضع قواعد تعليم الخط العربي تجمع بين الدقة والجمال بطريقة لم تحدث من قبل.  وقد وأسس المدرسة العثمانية للخط وطور خط الثلث، وكتب عشرات المصاحف بخط النسخ وترك أعمالاً خطية كبيرة في المساجد والمباني.

وقد ظهر في تركيا أعلام في الخط ساهموا في نقل تعليم الخط العربي جيلاً بعد جيل. وكان من أعلام القرن السادس عشر أحمد قَرَه حِصاريّ  وحافظ عثمان (توفي عام 1698) الذي كتب عشرات المصاحف وبنى على إنجازات حمد الله الأماسي في تطوير خط النسخ، ومحمد أسعد يساري (توفي عام 1798)، ومصطفى راقم  (توفي عام 1825) ومصطفى عزت (توفي عام 1876)، ومحمد شوقي (توفي عام 1887)، اللذان  واصلا تطوير خط النسخ.

وكان من أعلام الخط محمد سامي مدون البلاط العثماني (توفي عام 1912)، ومحمد يوسف (ِرسا) الذي له كتابات خطّ في المساجد التركية، وأوفده عبد الحميد الثاني إلى دمشق لكتابة خطوط في مساجد الشام وفي الجامع الأموي عند تجديده والتي لا تزال باقية (توفي عام 1916)، والشيخ عبدالعزيز الرفاعي (توفي في1934).

وفي أعقاب إنشاء جمهورية تركيا  العلمانية في عام 1923، وتحول اللغة التركية من الأبجدية العربية في إلى الحروف اللاتينية، تلقت التقاليد العثمانية في الخط العربي صدمة كبيرة.  لكن مجموعة من الخطاطين ضمت مصطفى حليم عزيزي (توفي عام 1964) ومحمد نجم الدين أوقياى (توفى عام 1976)  وحامد الأمدي (توفي عام 1982) نجحت في الحفاظ على تقاليد تعليم الخط العربي في تلك الفترة الحرجة.

وقد أنشىء في إسطنبول في عام 1968 متحفاً لفن الخط التركي، الأكبر للخط في العالم، ويضم مجموعة من أوائل نسخ القرآن الكريم بخطوط الكوفي والنسخ والمحقق.

تأسس مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية IRCICA في عام 1982  ويتبع منظمة التعاون الإسلامي، وقد لعب دورًا محورياً في الحفاظ على تراث الخط العربي في تركيا ونشره في العالم.

نشر مركز الأبحاث سلسلة من المنشورات والأفلام الوثائقية حول فن الخط العربي في التراث الإسلامي باللغات التركية والعربية والماليزية والإنجليزية واليابانية.  ونظم المركز منذ عام 1986 مسابقات دورية للخط العربي كل ثلاث سنوات، باسماء أعلام الخط العربي التاريخية،  ونظم مؤتمراً دولياً للخط العربي في عام 2014، ومؤتمرين للخطاطات في عامي  2010 و 2018. وقد أسهم المركز في تطوير ثقافة مميزة لتعليم الخط العربي ساهمت في نقل هذا التراث إلى أجيال جديدة.

ومن أبرز الخطاطين المعاصرين في تركيا  حسن الجلبي (مواليد 1937)، ومحمد أوزجاي وفرحات كورلو ودواد بكتاش وأفضال الدين كيليش والخطاطة هلال كازان.

كان من إنجازات الجلبي، الخطاط الأكثر شهرة عربياً وعالمياً، إنشاء مدرسة لتعليم الخط العربي بدعم من مركز الأبحاث وتحت إشراف أساتذة في الخط ووفق قواعد صارمة. وقد نجحت هذه المدرسة في تخريج أعلام في الخطا العربي، ومنحهم إجازات في كتابة وتعليم الخط، ضمن من خلالهم نقل راية هذا الفن التقليدي إلى العالم.

وكان من بين الخريجين خطاطين لامعين من دول غير إسلامية نقلوا الخط العربي للعالمية بكل ما في الكلمة من معنى؛ محمد زكريا والينور هولند من أميركا وفؤاد هوندا من اليابان ونورية غارسيا من إسبانيا ونور الدين ميي من الصين، وكان حسن الجلبي هو كبيرهم الذي عملهم هذا الفن الرفيع.

وكان من شأن هذه الجهود، أن قام العديد من الجامعات والمؤسسات البحثية والتعليمية والمراكز الثقافية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان وفرنسا ودول أخرى بالإحتفاظ بمجموعات كبيرة من التحف الفنية الإسلامية ولوحات الخط العربي في متاحفها. كما قامت بتنظيم  معارض للخط العربي، واستضافت محاضرين لإلقاء محاضرات وتنظيم دورات تدريبية وحلقات عمل حول الخط العربي، لمواطني هذه الدول، شارك فيها خطاطين من أصول غير عربية وعربية.

الخط العربي:  أعلام في الخط العربي

برز في العالم العربي كثير من مشاهير الخط، وكان من أشهرهم رواد الخط في العراق ومصر، الذين سنتعرض لهم في أقسام لاحقة.

وكان من مشاهير الخط العربي في سوريا عبد الله زهدي والشيخ على بدوى ونجيب أحمد هواويني ومحمد حسني الذين برزوا في مصر، وعثمان طه الذي برز في السعودية وعبيدة البنكي الذي برز في قطر ومأمون صقال في الولايات المتحدة.

واشتهر من فلسطين، سعيد النهري  ونهاد دخان ومحمد صيام  ورياض جوهرية  وعبد الرحمن يوسف  في المهجر.

وبرز في الأردن نصار منصور  وإيهاب ثابت وايمن حسن .

ومن مشاهير الخط العربي في السعودية ناصر الميمون وعبد العزيز مصطفى دوملو وعبد الرحيم أمين  والشاب فهد المجحدي. وفي الإمارات حسين علي السري الهاشمي وفاطمة سعيد البقالي ومحمد مندي وفي البحرين سلمان أكبر .

وبرز في المغرب حميدي بلعيد  رئيس جمعية الخط العربي، وفي الجزائر محمد سعيد شريفي ومحمد بحيري وعبد الرزاق قارة برنو  رئيس جمعية الراقم للخط العربي. 

وتحاول المؤسسات العربية المهتمة بالخط العربي تشجيع الشباب على تعلم الخط العربي من خلال المعارض والمسابقات التي تنظم من وقت لآخر للكشف عن المواهب الجديدة في الخط العربي في تركيا والإمارات ومصر والسعودية.

محمد حقي من تركيا

وهناك فنانين في الخط العربي من دول غير عربية في تركيا والبوسنة والباكستان وإيران وماليزيا والهند وغيرها.

أعلام الخط في العراق: من ابن مقلة إلى أبو مقلة

بدأ الخط العربي في العراق خلال العصر العباسي على يد ابن مقلة وابن البواب وياقوت المستعصمي. واشتهر في العراق في عصر الدولة العثمانية درويش نعمان الذكائي وسفيان الوهبي وأحمد بن سفيان الوهبي ومحمود الثنائي وعبد الغني آل جميل  وصبغة الله الحيدري وعبد الوهاب النائب.

وكان من أبرز الخطاطين المعاصرين  هاشم محمد البغدادي (توفي في عام 1973). وقد تعلم الخط على يد الملا عارف الشيخلي والحاج علي صابر، وحصل على إجازة في الخط العربي عام 1943 من الأستاذ الملا عارف الشيخلي. وحصل على دبلوم الخط العربي في عام  1945 من محمد إبراهيم صاحب مدرسة تحسين الخطوط في الإسكندرية للخطاط. وتعرف إلى الخطاطين السوري محمد حســني والمصري سيد إبراهيم الذي أجازه في الخط،  كما أجازه التركي حـامد الأمدي مرتين. ومن أعماله الفنية كتابات الخط في مساجد بغداد ومنها جامع الحاج محمود وكتابات الخط على مسكوكات الجمهورية العراقية والتونسية والليبية والسودانية والمغربية. وأصدر كراسة حول قواعد الخط العربي سنة 1961م .

 وعند وفاة هاشم محمد البغدادي، قال الخطاط حامد الآمدي ولد الخط وتوفي في العراق.

ومن أعلام الخط يوسف ذنون من الموصل، الذي ولد عام 1932 ، وزار تركيا وأذهلته كتابات الخط في المساجد والمباني. وبدأ بدراسة نماذج التدريب التركية على الخط ، وحصل من حامد الأمدي على إجازات في الخط خلال الفترة  1966- 1969 .  وأعد سلسلة لتبسيط تعليم الخطوط ومنها خطي الرقعة والديواني ونظم عشرات الدورات لتعليم الخط وأعد كتابات الخط في معظم مساجد الموصل .

ومن أعلام الخط مهدي الجبوري كاتب خطوط العملة العراقية،  وعبدالغني العاني  الذي حصل على إجازة الخط من هاشم البغدادي، ومحمد صالح الشيخ وعلي الراوي اللذان حصلا على إجازات الخط من حامد الأمدي.

تأسست جمعية الخطاطين العراقيين في عام  1974 م وترأس سلمان إبراهيم  (أب مقلة) الجمعية لمدة 11 سنة وكان من المحكمين في استانبول في مسابقة ارسيكا للخط العربي للدورتين الثالثة والرابعة التابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي.

ومن بين مشاهير الخطاطين صلاح شيرزاد  وحسن قاسم حبش  وطه البستناني وخليل الزهاوي ومحمد طاهر الكردي من أربيل  المقيم في السعودية، ومن أعماله كتابة المصحف المتداول بخط النسخ.

أعلام الخط العربي في مصر

دعى الخديوي إسماعيل في نهايات القرن التاسع عشر، الخطاط السوري عبد الله زهدي لكتابة الخط لمواقع منها جامع الرفاعي بحي القلعة بخط  الثلث، وهو من قام بكتابات الخط على جدران المسجد النبوي وعلى كسوة الكعبة.  وتوفي محمد مؤنس  في عام 1900 وهو مؤسس النهضة الكبيرة في فن الخط العربي بمصر، وهو من خط  كتابات الخط الفارسي على جدران مسجد محمد علي.

أحضر الملك فؤاد الشيخ عبد العزيز الرفاعي من تركيا في عام 1921 لكتابة وتذهيب نسخة من القرآن الكريم.  ولما أبدع في ذلك، كلفه الملك فؤاد بتأسيس الكُلية الملكية لتعليم الخط العربي في عام 1922.

وكان من مدرسي الكلية الخطاط السوري محمد حسني، الذي تعلم الخط عن التركي محمد يوسف (رسا)، ومنحه جمال عبد الناصر الجنسية المصرية في عام  1965 قبل أن يتوفي في عام 1969 بالقاهرة. و كان من مدرسي الكلية أيضاً معلم الخط الكوفي يوسف أحمد والذي ساهم في الحفاظ على هذا الخط.

وقد خرجت المدرسة رواد فن الخط العربي في مصرابتداء من عام 1925،  ومنهم سيد إبراهيم،  محمد إبراهيم، و محمد علي مكاوي وخضر البورسعيدي.

أبدع سيد إبراهيم في الخط ودرس في المعاهد العلمية والفنية 50 عاماً ، ومنها دارالعلوم وقسم الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية، ومعهد المخطوطات لجامعة الدول العربية.  وكان يكتب عناوين المطبوعات ويعد لوحات دعائية ملونة لآيات القرآن الكريم توزع مع مجلة الإسلام. وشارك في كتابات الخط لقصر الأمير محمد علي في القاهرة، وكتابة سورة الجمعة في مسجد جاما  في الهند.

أسس محمد إبراهيم، مدرسة تحسين الخطوط في الإسكندرية، وكان أول مَن أقام معارض للخط العربي وأعد كتاباً عن الخط الديواني. ومن أعماله كتابات الخط في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، وفي مساجد في مصر وسورية والعراق وتونس، وفي مبنى جامعة الدول العربية ومسجدها ومتاحف سعد زغلول ومصطفى كامل ومحمد فريد.

وكان من الخطاطين مصطفى غزلان الذي توفي عام 1938 وطور الخط الديواني، بما يُعرف بالخط الغزلاني، ومحمد عبدالقادر  ومصطفى السباعي  ومحمد سعد حداد  ومحمد رضوان ومحمود الشحات.

 ومن الخطاطين المعاصرين خضير البورسعيدي (مسعد خضير)، رئيس الجمعية المصرية العامة للخط العربى، وعضو لجنة التحكيم الدولية لمسابقات الخط في اسطنبول وتعلم الخط العربي على يد محمد حسني، وسيد إبراهيم، ومحمد عبد القادر، وحقق أعمالاً خطية كثيرة  واشتهر بكتابة مقدمات الأشرطة المصرية. ومن الخطاطين المعاصرين خليفة الشيمي  وهاني الطويل.

وقد افتُتح في الاسكندرية معرض دائم للخط العربي، كجزء من متحف الاسكندرية للفنون الجميلة الذي أُنشئ في عام 1954.

أنواع الخط العربي

هناك عدد كبير من الخطوط العربية  ومشتقاتها،  التي قد تكون أكبر حجما أو سمكاً أو زخرفة مثل خطوط الجلي في الثلث والديواني والفارسي، وحسب المكان أو العصر التاريخي مثل الخط الكوفي.

وتتمثل الخطوط الرئيسية  فيما يلي:

الخط الكوفي  وهو  أقدم الخطوط العربية الذي نشأ في الكوفة، وينتمي له عدد كبير من الخطوط

خط النسخ  وهو من أوضح الخطوط العربية، واستخدمه الخطاطين العثمانيين في كتابة المصاحف، ويشيع في الكتب والوثائق.

خط الثلث  وهو أكثر الخطوط جمالًا، وأصعبها كتابة وإتقانًا، سواء من حيث الحرف أو من حيث التركيب.  ويبدأ الخطاطين في تعلمه، لأن من لا يتقنه لا يعتبر خطاطاً. ويتشابه مع خط الثلث خطوط المحقق والريحاني الأقل استخداماً ، والتي طورت على يد إبن مقلة وإبن البواب.

ويعتبر خط الإجازة (التوقيع، الرياسي) مزيجاً من خطي النسخ والثلث معًا، فمن يجيدهما يجيد خط الإجازة، وسمي كذلك،  لأنه كان يستخدم في كتابة إجازات الخط.

خط الرقعة  وهو خط حديث طوره العثمانيون ومن أكثر الخطوط شيوعاً في الكتابة لسهولة قراءته وسرعة كتابته.

الخط الديواني (السلطاني) وهو الخط الذي طوره  العثمانيون للكتابة في دواوين السلاطين، واشتق منه الديواني الجلي الأكثر زخرفة.

الخط المغربي وله مشتقات مكانية كثيرة وليس له قواعد محددة أو موازين للكتابة، واستخدم في المغرب العربي وفي الدولة الأندلسية.

الخط الفارسي وقد ظهر في القرن الثالث عشر، في بلد فارس ويسمى “خط التعليق”، وهو خط جميل يمتاز بسهولته ووضوحه وبدقة وامتداد حروفه .

خط الطغراء  الذي عُرف كعلامة تُكتب في الأوامر السلطانية وتطبع على النقود والطوابع والسجلات والسفن، ولكنه يستخدم الآن في مجالات مثل الحليات والشمائل التترية.  

الخط العربي: مواد الخط

تتطلب حرفة الخط القليل من الأدوات؛ القلم والحبر وسطح للكتابة. ويعتمد فن الخط على مَلَكَةْ الخطاط في استخدام هذه الإدوات في خَطْ وتشكيل الحروف والرموز وترتيبها بشكل مميز.

أقلام الخط

يعتبر قلم القصب الأكثر ملاءمة ومرونة في كتابة الخط.  وتُصنع هذه الأقلام من أعوادْ القصب أو الخيزران القديمة، ولا يمكن لأي أداة أخرى أن تكون بديلاً لها. ويتم قطع رأس القلم بشكل مائل، وتشق رؤوسها من الوسط لتسهيل تدفق الحبر. ويختلف عرض الرأس وميله حسب نوع وحجم الخط المطلوب.

وتُستخدم اقلام مصنوعة من الخشب للخطوط الكبيرة (الجلي)،  واقلام جاوة للخطوط الصغيرة (1-10 ملم). وتصنع أقلام جاوة من أشواك أوراق نخيل استوائي Arenga pinnata، وهي أقلام صلبة ومرنة.

ورق الكتابة

استخدمت الرقاع الجلدية وورق  البردى لأغراض الكتابة حتى القرن العاشر، قبل ظهور صناعة الورق واستخدام أنواع مختلفة عالية الجودة.

ويعامل ورق الخط لملاءمته لكتابة الخط، إن لم يتوفر تجارياً. وتجري هذه المعاملة لضمان متانة الورق وعدم امتصاصه الماء وسهولة انزلاق القلم على سطحه وإمكانية مسح أخطاء الكتابة بنسيج مبلل.

وتبدأ معاملة الورق الأبيض، بالصباغة بمادة الشاي أو قشر البصل أو مادة طبيعية مماثلة لتخفيف حدة اللون الأبيض والحصول على لون قشدي أو حنطي. ثم يتم طلاء الورق بطبقة من نشاء القمح، ثم ثلاثة طبقات من مادة التقهير Ahar والتي تتكون من بياض البيض والشبة.

ويجري صقل الورق بعد جفافه بعناية بحجر العقيق لتنعيم السطح، ويترك للتعتيق لمدة سنة على الأقل قبل استخدامه.

حبر الكتابة

يستخدم حبر السناج الأسود في كتابة الخط العربي. وتنتج هذه المادة عن حرق زيت بذور الكتان والكيروسين، وكان تُجمع سابقاً من مخلفات مصابيح المساجد. وتُحول المادة إلى مسحوق ناعم، وتخلط بالماء والصمغ العربي لتثبيت الحبر على الورق.  ويمتاز الحبر التقليدي عن الصناعي بأنه قابل للذوبان في الماء ويمكن إزالته بقطعة نسيج مبللة.

وتستخدم دواة (محبرة) صغيرة، يوضع فيها لبادة حريرية، ويصب فيها كمية من الحبر تكفي لإبقاء النسيج مبللاً، حتى لا يغرق القلم بالحبر، وتكون كمية الحبر أكثر مما يلزم عند الكتابة.

وتستخدم أحبار ملونة مختلفة في الكتابة، حيث يكتب القرآن بألوان متعددة. وكان الخط المغاربي يُكتب بالحبر البني.

وتُعد الألوان من الزرنيخ الأصفر، والرصاص الأبيض، أو من  الذهب والأحمر القرمزي والتي كانت تستخدم تقليديا على خلفيات داكنة. وقد يضاف مسحوق الزجاج للحبر، حتى يتألق الخط عندما يجف.

وتجري إضاءة كثير من لوحات الخط؛ ، من مختصين في التزيين والزخرفة والتذهيب عادة.  وتغطى لوحات الخط بنسيج مبلل بنشاء القمح وتُشد على لوح خشبي لإبقائها مسطحة، ولتسهيل عملية التزيين. ويتم وضع الحواف الرخامية بينما اللوحة الخطية رطبة،  بينما يتم وضع الحواف الملونة بعد جفاف اللوحات. وقد تجري زخرفة الأطر بالألوان وظلال ذهبية.

ويجري تنعيم أوراق الذهب وخلطها في محلول من الصمغ العربي، وتصفيته للحصول على محلول غبار الذهب الصافي. وهناك درجات في ألوان الأوراق الذهبية مثل الذهب الأصفر والأخضر والأحمر والأبيض وفق عِيارات تتراوح بين 23-12 قيراط. ويتم تذهيب اللوحة باستخدام القلم والفرشاة ثم تصقل بحجر العقيق.

المصادر

 https://bit.ly/2JvySUA
https://bit.ly/2PBmlqU
https://bit.ly/32dNwJE
https://bit.ly/2OVBHWB
http://artcalligraphy.net/bro2.pdf
http://www.arabiclanguageic.org/view_page.php?id=4216
https://www.calligraphy-skills.com/what-is-calligraphy.html 
https://iosminaret.org/vol-10/issue8/Calligraphic_World.php
http://www.dubaiculture.gov.ae/en/Documents/EventCatalog.pdf
http://www.tombouctoumanuscripts.org/images/uploads/TimbuctuCataloguelo-res.pdf
Written By
More from AR

ليبيا | مؤشرات التنمية الإجتماعية والإقتصادية

ليبيا | مؤشرات التنمية الإسم الرسمي للدولة:  الجمهورية الليبية الموقع: الإحداثيات الجغرافية...
Read More

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 11 =